تأثير مواقع التواصل على منظومة القيم لدى الشباب والأطفال…يتبع

د. لبنى الماجيدي (استاذة باحثة في علوم التربية)

يواجه المجتمع المعاصر تحدياً قيمياً كبيراً ناتجاً عن هيمنة مواقع التواصل الاجتماعي، هذا الفضاء الرقمي الذي بات يمتص أوقات الشباب والأطفال ويشكل خطراً محدقاً بالقيم الأصيلة. وفي الوقت الذي تسعى فيه منظومة التربية والتكوين المغربية إلى بناء مواطن يتسم بالاستقامة، والنزاهة، والتسامح، والمسؤولية الإيجابية، تبرز المدرسة كوسط حاضن ثانٍ بعد الأسرة لإعداد المتعلمين للتكيف مع هذه التغيرات المتسارعة. ورغم أن هذه المنصات الرقمية تعد “ملجأً” يجد فيه الشباب حرية التعبير، وتكوين مجموعات توحدها الميولات المشتركة، وتوفر جهداً ووقتًا في مجالات كالتسوق والتعلم، إلا أنها أفرزت أنماطاً سلوكية مضطربة قادت البعض للتمرد على قيم الأسرة المحافظة.
​هذا التأثير المزدوج يضعنا أمام وجهين للحقيقة؛ فوجهها الإيجابي يكمن في تنمية المهارات، واكتساب اللغات، وتسهيل العمل الإنساني والتضامني كما تجسد في “زلزال الحوز”. أما وجهها المظلم، فيتجلى في مخاطر سيكولوجية جسيمة، حيث يؤدي الاستخدام المفرط إلى القلق والاكتئاب الناتج عن المقارنات الاجتماعية الزائفة، فضلاً عن اضطرابات النوم وتشتت الانتباه. وعلاوة على ذلك، ساهمت هذه المواقع في ظهور صراع قيمي حاد تمثل في كشف حرمة البيوت، وانتشار التنمر الإلكتروني، وتعرض الأطفال لمحتويات غير آمنة أو تحريضية مثل ألعاب “الحوت الأزرق”. ولتجاوز هذه الأزمة، بات من الضروري إدراج التربية الرقمية في المناهج الدراسية، وتعزيز دور الأسرة في المراقبة والحوار، بالتوازي مع سن قوانين حكومية صارمة لحماية بيانات القاصرين وضمان بيئة رقمية آمنة.
أولا: مرتكزات بناء هوية المواطن المغربي
تسعى منظومة التربية والتكوين، حسب النص، إلى صقل شخصية المتعلم من خلال منظومة قيم متكاملة:
* قيم الهوية: العقيدة الإسلامية السمحة، الهوية الحضارية المتنوعة، والاعتزاز بالانتماء الوطني.
* قيم الحداثة: حقوق الإنسان، المواطنة، التسامح، واحترام الاختلاف.
* السمات الشخصية: الاستقامة، النزاهة، المبادرة الإيجابية، والشغف بالعلم والإبداع.
ثانيا: مؤسسات التنشئة (بين الواقع والافتراض)
تتوزع مصادر القيم التي يتلقاها الشباب بين قنوات تقليدية وفضاءات جديدة:
1. المدرسة: المحضن الثاني بعد الأسرة، والمسؤولة عن بناء السلوك المدني.
2. المسجد: مصدر القيم الأخلاقية والدينية.
3. الإعلام التقليدي والكتب: مصادر معرفية كلاسيكية.
4. الفضاء الرقمي: “الملجأ” الجديد الذي يوفر الحرية، الحوار، وتجاوز الحدود الجغرافية، لكنه يتسم أحياناً بغياب الهوية الحقيقية.
ثالثا : التأثيرات الإيجابية (الفرص والعطايا الرقمية)
* المجال المعرفي والمهاري:
* الوصول إلى محتويات تعليمية متنوعة ومصادر علمية موثوقة قد لا تتوفر في المكتبات التقليدية.
* تنمية المهارات الشخصية وتفسح المجال للتواصل مع الثقافات الأخرى.
* اكتساب مهارات تعلم اللغات وبعض الحرف اليدوية والصناعات الصغيرة.
* المجال الاجتماعي والإنساني:
* المشاركة في مبادرات الدعم الاجتماعي (مثل تضامن زلزال الحوز) وتعزيز الروابط الاجتماعية.
* البحث عن فرص العمل وتوسيع الشبكة المهنية.
* تقديم المساعدة للمحتاجين (مرضى، عوز مادي) والبحث عن المفقودين.
* المجال الإعلامي والتوعوي:
* نقل المعلومات بالصوت والصورة بآنية وسرعة عالية.
* متابعة الأحداث الاجتماعية والثقافية والفنية بتفاصيلها الدقيقة.
رابعا: التأثيرات السلبية (المخاطر والتحديات)
*على الصحة النفسية والجسدية.
* ارتفاع حالات القلق والاكتئاب و اظطراب النوم تشتت الانتباه، التنمر…

خامسا: التوصيات الاستراتيجية للمواجهة
لمواجهة “الغزو الرقمي” وحماية الناشئة، يقترح التقرير الإجراءات التالية:
1. التربية الإعلامية: إدراج التربية الرقمية في المناهج الدراسية لتعليم التمييز بين الحقيقة والتضليل.
2. المصاحبة الأسرية: تفعيل دور الأسرة في الحوار والمراقبة الواعية بدلاً من المنع، وسحب الأجهزة في الفترات الليلية.
3. الأمان الرقمي: تثقيف الأطفال حول مخاطر التواصل مع الغرباء وحماية البيانات الشخصية.
4. التشريع القانوني: سن قوانين صارمة لحماية بيانات القاصرين ومكافحة الجرائم الإلكترونية.
5. البدائل الواقعية: تشجيع الأنشطة الرياضية والاجتماعية الواقعية لتقوية الروابط الأسرية.
6.

التعليقات مغلقة.