الاجتهاد في عصر الذكاء الاصطناعي: نحو فلسفة فقهية إسلامية جديدة للعالم الرقمي.. (جزء ثالث)
د.ربيع الكرعي باحث في الفكر الاسلامي المعاصر
التحيّز الخوارزمي: سؤال العدالة في عصر النمذجة
التحيّز ليس ظاهرة جديدة، لكنه يكتسب قوة جديدة عندما يصبح التحيّز «مُشفّرًا» في البيانات والنماذج، فيُنتج قرارات متكررة واسعة النطاق. يشير كوكلبيرج إلى أن الذكاء الاصطناعي عند توصيته بالقرارات قد يُظهر تحيزًا يجعل القرارات غير منصفة تجاه أفراد أو مجموعات، وأن القلق يكمن في استمرار هذه المشكلات وتفاقم آثارها : وكلبيرج، أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، مؤسسة هنداوي، 2024م، ص88. وفي الفقه، العدالة ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل شرط لصحة القضاء والسياسة الشرعية والمعاملات.
تتطلب معالجة التحيّز الخوارزمي تمييزًا فقهيًا بين: أ) تحيزٍ ناشئ عن معايير شرعية صحيحة (تمييز مشروع بين متماثلين وغير متماثلين، ب) تحيزٍ ناشئ عن بيانات منحازة أو نماذج تعيد إنتاج ظلم اجتماعي وهنا يتداخل الاجتهاد مع علوم البيانات: لأن معرفة «مناط الظلم» لا تُستخرج بالنص وحده، بل بتحليل كيفية توليد القرار.
.المسؤولية: مَن يُسأل عندما تقرر الآلة؟
يفتح الذكاء الاصطناعي مسألة «لامسؤولية الآلات» وما يتصل بها من القرارات غير المبررة كما يعنون كوكلبيرج أحد فصوله : وكلبيرج، أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، مؤسسة هنداوي، 2024م، ص79.وفي التصور الفقهي، المسؤولية ترتبط بالقصد والقدرة والعلم. لكن النظم الذكية تخلق طبقات من الفاعلية: المطور، والمُشغِّل، وصاحب البيانات، ومن يعتمد القرار. لذا يصبح الاجتهاد مطالبًا ببناء نظرية «مسؤولية موزعة» تراعي دور كل طرف، وتحمي المتضرر من ضياع الحق بين الفاعلين.
**’ثالثًا: نحو نموذج للاجتهاد المعزَّز رقميًا
.حدود الاستفادة من الأدوات الرقمية
يمكن للأدوات الرقمية أن تخدم الاجتهاد في ثلاثة مستويات: أ) مستوى الاستقراء الواسع للنصوص والفتاوى والمدونات (ب) مستوى توصيف الواقع عبر البيانات (اقتصاد، صحة، سلوك اجتماعي،
ج) مستوى محاكاة السيناريوهات وتقدير المآلات. لكن الخطر يكمن في تحويل هذه الأدوات إلى «سلطة بديلة» أو إلى مرجعية تفرض نتيجتها دون تبرير. وعليه فإن الاستفادة المشروعة مشروطة بمبدأين: الشفافية وقابلية المراجعة.
الشفافية تعني أن يعرف المجتهد – ومن يخاطبهم – كيف توصّل النظام إلى توصيته، وقابلية المراجعة تعني إمكانية اختبار الفرضيات وتفنيدها. وفي غياب ذلك، يصبح الاعتماد على «صندوق أسود» نوعًا من تعطيل ملكة النظر، وهو ما يناقض جوهر الاجتهاد بوصفه بذلًا للوسع.
.الاجتهاد الجماعي في عصر الشبكات
مع تعقّد قضايا الذكاء الاصطناعي يصبح الاجتهاد الجماعي أكثر إلزامًا؛ لأن الموضوع ليس حكمًا مجردًا بل شبكة عناصر تقنية-اقتصادية-اجتماعية. والاجتهاد الجماعي ليس مجرد جمع تواقيع، بل بناء عملية تداولية تقوم على: أ) خبراء الشريعة (أصول/مقاصد/فقه نوازل، ب) خبراء التقنية (تعلم آلي/أمن/بيانات، ج) خبراء الاجتماع والاقتصاد والقانون. وفي هذا السياق، تمنح المنصات الرقمية إمكانات جديدة للتداول، لكنها تفرض كذلك تحديات (السرعة، الاستقطاب، التضليل.
ولكي لا تتحول المنصات إلى سوقٍ للفتوى السريعة، يقترح المقال آلية مؤسسية: «مجالس اجتهاد رقمية» تُنشر أعمالها بمستويات مختلفة: تقرير علمي كامل، ملخص مبسط، فتوى تنفيذية. ويُشترط أن تُوثق هذه المجالس خطوات الاستدلال ومصادر البيانات المستخدمة، وأن تُعلن تضارب المصالح، وأن تُحدِّد «نطاق الصلاحية» الزمني للفتوى في بيئة تتغير بسرعة.
.مِيزان المآلات في الأنظمة الذكية
من خصائص الذكاء الاصطناعي أنه ينتج آثارًا غير خطية: قرار بسيط في خوارزمية توصية يمكن أن يغيّر رأيًا عامًا، واختيار معيار في نموذج ائتماني قد يحرم فئات كاملة من التمويل. وهذا يستدعي تفعيل مفهوم «المآلات» في الاجتهاد بصورة منهجية. ويتكامل هنا تحليل فلوريدي للخصوصية بوصفها احتكاكًا معلوماتيًا، إذ إن خفض الاحتكاك يُحدث آثارًا اجتماعية تتجاوز الفرد إلى بنية الثقة في المجتمع :
فلوريدي، الثورة الرابعة، عالم المعرفة 452، 2017م، ص136-137.
وبناءً على ذلك، لا يكفي السؤال: هل التقنية مباحة في ذاتها؟ بل يجب السؤال: ما نمط السلطة الذي تؤسسه؟ من يملك البيانات؟ من يملك النموذج؟ من يملك قرار الإغلاق أو التعديل؟ وهل يؤدي استخدامها إلى احتكار أو تمييز أو مراقبة شاملة؟
رابعًا: تطبيقات فقهية-فلسفية معاصرة
. الفتوى والخطاب الديني في زمن التوليد الآلي
أدوات التوليد اللغوي قادرة على إنتاج نصوص دينية ذات مظهر علمي، لكنها قد تخلط بين المذاهب، وتنتقي الأقوال بلا ضابط، أو تُسقط شروط السياق. وهنا يُطرح سؤال: هل يجوز الاعتماد عليها في الإفتاء؟ المقال يميز بين «الاستعانة» و«الإحالة»: الاستعانة في جمع النصوص أو تلخيص أقوال الفقهاء ممكنة بضوابط، أما الإحالة إلى الآلة بوصفها مصدرًا للحكم فغير مقبول؛ لأن الاجتهاد فعل مسؤول يتطلب نية وعلمًا ومحاسبة.
وتفرض هذه الأدوات كذلك تحديًا على صدقية المجال العام الديني: إذ قد تنتشر فتاوى مزيفة أو منسوبة زورا إلى علماء. وعليه يصبح من المقاصد العملية «حفظ الثقة المعرفية»، أي حماية الجمهور من الفوضى المعرفية التي تضعف الدين بوصفه نظام معنى(.يتبع).