الصحافيون يوثقون تدخلات أبطال الوطن… والمؤثرون غائبون
كشفت الفيضانات التي عرفتها مدينة القصر الكبير حقيقة صادمة: في لحظات الشدة، يختفي من يسمّون أنفسهم “مؤثرين”، ويظهر الأبطال الحقيقيون. فبينما كانت المياه تحاصر المنازل وتهدد أرواح السكان، كان رجال الأمن، القوات المسلحة الملكية، الوقاية المدنية، والمتطوعون في الصفوف الأمامية، يخاطرون بحياتهم لإنقاذ المواطنين، في صمت ومسؤولية.
في المقابل، غاب أغلب المؤثرين عن الميدان. لم نرَ حضورًا يُذكر لهم في مواقع الخطر، ولا مشاركة فعلية في جهود الإنقاذ أو الدعم الإنساني. يظهرون عادة في الحفلات والملاعب والمنصات الترفيهية، لكنهم يختفون عندما تصبح الكاميرا غير مربحة، وعندما يكون “المحتوى” هو المعاناة الحقيقية للناس.
الأخطر من الغياب، هو محاولة بعضهم الركوب على المأساة لاحقًا، عبر تدوينات سطحية أو مقاطع مصورة هدفها حصد المشاهدات، دون فهم للواقع أو احترام لآلام المتضررين. هذا النوع من “التأثير” لا يخدم المجتمع، بل يحوّل الكوارث إلى مادة استهلاكية، ويُفرغ مفهوم التضامن من معناه.
في الجهة المقابلة، قام الصحافيون بدورهم المهني والوطني. كانوا العين التي رأت، والعدسة التي وثقت، والكلمة التي نقلت الحقيقة من قلب الحدث. لم يكتفوا بالنقل، بل أبرزوا تضحيات رجال الميدان، وكشفوا حجم الجهود المبذولة من طرف الدولة والمجتمع المدني، بعيدًا عن الضجيج والبحث عن الشهرة.
إن ما وقع في القصر الكبير يفرض طرح سؤال جوهري: ما قيمة “المؤثر” إذا غاب في لحظة الحاجة؟ التأثير الحقيقي لا يُقاس بعدد المتابعين، بل بمدى الحضور في الأزمات، وبالقدرة على تحويل المنصات الرقمية إلى أدوات دعم وتوعية ومساندة.
لقد أثبتت هذه الفيضانات مرة أخرى أن المغاربة يتضامنون بالفعل لا بالشعارات، وأن أبطال الوطن هم من ينزلون إلى الميدان لا من يكتفون بالمشاهدة من خلف الشاشات. أما “المؤثرون” الذين يهربون من المسؤولية، فيبقون مجرد صدى فارغ، لا وزن له أمام تضحيات الرجال والنساء الذين ينقذون الأرواح ويحمون الوطن.
وختامًا، أصبح من الضروري إعادة النظر في مفهوم التأثير الرقمي، ووضع ضوابط أخلاقية له، حتى لا يتحول إلى تجارة في المآسي. فالوطن لا يحتاج إلى نجوم افتراضيين في الأزمات، بل إلى مواطنين حقيقيين… وهذا ما أثبته أبناء القصر الكبير في محنتهم.