علم التنجيم وأثره على كوكب الأرض والإنسان

بقلم .المنجيم المغربي عبد العزيز الخطابي
مقدمة
يُعتبر علم التنجيم من أقدم العلوم التي اهتم بها الإنسان، حيث سعى عبر العصور لفهم تأثير الكواكب والنجوم على حياته ومصيره. لطالما ارتبطت حركة الأجرام السماوية بالأحداث الأرضية، مما أثار تساؤلات عديدة حول العلاقة بين الكون والإنسان. في هذا المقال، نستعرض أبرز الآراء العلمية والفلسفية حول التنجيم، ونكشف النقاب عن الدراسات والأبحاث التي تبرز دور الكواكب في تشكيل سلوكيات البشر وتوجيه أحداث الأرض. فهل هو علم خرافي أم حقيقة مثبتة؟ دعونا نغوص في هذا الموضوع الشائق ونستكشف ما وراء الأجرام السماوية.
آمن بالتنجيم وعمل به العديد من المفكرين، مثل أرسطو، بطليموس، أبولونيوس، الكندي، الخوارزمي، الذي كان منجم هارون الرشيد، والصوفي، منجم البويهين، وابن سينا، والبتاني، وثابت بن قرة، والبوزجاني، وعمر الخيام، وغيرهم من الفلكيين والمفكرين والفلاسفة الغربيين والعرب.
التنجيم وأثره
هذه بعض الأدلة القيمة التي تدل على صدق التنجيم، مستوحاة من ذوي الخبرة والنظر والمعرفة، ومنقولة بتصرف بسيط نظرًا لأهميتها ورصانتها. ومن هذه الأدلة ما أثبته المهندس الإلكتروني الأمريكي، جون نيلسون، الذي أثبت في عام 1951 وجود صلة ظاهرة بين صعوبة أو سهولة استخدام موجات الراديو القصيرة وبين أوضاع الكواكب المحيطة بالأرض. فقد وجد نيلسون أن العواصف المغناطيسية، التي تسبب اضطراب الإرسال اللاسلكي، تحدث عندما يقترب من الأرض كوكبان أو أكثر في زوايا قائمة. بناءً على ذلك، استطاع نيلسون أن يتنبأ بالاضطرابات المغناطيسية المقبلة بنسبة نجاح بلغت 93%.
ولم تكن أبحاث جون نيلسون هي الوحيدة في هذا المجال، فقد أثبت علماء كثيرون في السنوات الأخيرة وجود تأثير للشمس والقمر والكواكب على أحداث الأرض والبشر أنفسهم. على سبيل المثال، قام العالم الطبيعي، دكتور رودلف توماشيك، الرئيس السابق لمجلس الطبيعة الجغرافية العالمي، بدراسة وتحليل 134 زلزالًا كبيرًا، ووجد أن أوضاع النجوم من حيث المكان والزمان لها علاقة بظاهرة الزلازل، إذ غالبًا ما يحدث الزلزال عندما تقترب من الأرض ثلاثة كواكب بالتحديد: المشتري، وأورانوس، ونبتون.
كما اكتشف عالم روسي يدعى دكتور بودشيبا يكين وجود علاقة قوية بين ظاهرة الكلف الشمسي، التي تحدث نتيجة العواصف المغناطيسية على سطح الشمس، وبين زيادة حوادث الطرق على الأرض. فسر بودشيبا يكين ذلك بأن الكلف الشمسي ينتج كميات هائلة من الأشعة فوق البنفسجية، والتي تؤثر بدورها على الجسم البشري وتجعله أكثر بطئًا في الاستجابة للمؤثرات الخارجية، مما يتسبب في سوء القيادة وزيادة الحوادث.
ومن أهم الأبحاث التي أجريت حول تأثير الشمس والقمر في الحياة الأرضية تلك التي قام بها دكتور فرانك براون، أستاذ علم الأحياء (البيولوجيا) بجامعة نورث وسترن الأمريكية. إذ أجرى مع فريق مساعديه أبحاثًا استغرقت 25 عامًا على ما أسموه “الساعة البيولوجية”، أي الإيقاع الطبيعي المنتظم لكل أنواع الحياة على الأرض. هذا الإيقاع يظهر في مظاهر عديدة، مثل نوبات النوم واليقظة، وحركة النبات أثناء الليل، وانفتاح وانغلاق أصداف المحار، وتغير ألوان بعض الحشرات والأحياء المائية. توصل دكتور براون إلى نظرية أدهشت الأوساط العلمية، وهي أن هذه الظواهر تتبع نمطًا من الإيقاع لا ينبع من “ساعة داخلية” في الحيوان أو النبات، وإنما من تأثيرات كونية، وبالذات المتعلقة بالشمس والقمر. فمثلًا، الفئران التي تعيش داخل أقفاص مظلمة لفترات طويلة، وُجد أنها تكون أكثر نشاطًا عندما يرتفع القمر فوق الأفق، كما لو كانت تعرف بغريزتها متى يرتفع القمر.
تأثير الكون على الإنسان
ولكن ماذا عن الإنسان؟ هل يمكن أن يكون للشمس والقمر والكواكب تأثير عليه كما يدعي المنجمون؟
دلت دراسات نشرت عام 1960 قام بها عالم أمريكي يدعى دكتور ليونارد رافيتز من جامعة ديوك على وجود علاقة مباشرة بين سلوك البشر وبين القمر. تتفق هذه النتيجة مع الاعتقاد القديم في الارتباط بين القمر والجنون. فقد قام دكتور رافيتز بقياس الشحنات الكهربائية الضعيفة التي يطلقها الجسم البشري، ووجد أن هذه الشحنات تتغير باستمرار وفقًا لمنازل القمر. وتبلغ قمتها عندما يكون القمر بدراً، وفي هذه الحالة تكون أكثر ظهورًا لدى المرضى العقليين وغير الأسوياء، مما يؤدي لزيادة الجرائم الناتجة عن السلوك السكوباتي في الليالي القمرية.
كما اتضح أن القمر قد يكون له تأثير على الولادة، إذ قام عالم ياباني في عام 1938 بدراسة 33,000 حالة ولادة، ووجد أن معظم الولادات تحدث عندما يكون القمر كاملاً، وأقلها أثناء المحاق. ثم أيد عالم أمريكي في الطب النسائي هذه النتيجة في تقرير عام 1967 بعد دراسة شملت حوالي نصف مليون حالة ولادة.
هناك أيضًا دليل على وجود ارتباط بين النزيف بشكل عام وبين مراحل القمر، فقد وجد الجراح الأمريكي دكتور أديسون أندروز بعد فحص 1000 حالة لنزيف غير معتاد عقب عمليات استئصال اللوز، أن 82% من هذه الحالات تحدث بين المرحلتين الأولى والثالثة من دورة القمر. لذلك، كان هذا الطبيب يختار أن يجري عملياته الجراحية في ليالي المحاق.
هذه عينة بسيطة من الاكتشافات العلمية حول تأثير الأحداث الكونية في الحياة على الأرض. ولكن هل هذا كافٍ لإقناع العلماء بصحة التنجيم؟
عدد قليل من العلماء أعلنوا اعتقادهم في صحة التنجيم، ومنهم بعض الشخصيات البارزة، مثل العالم النفساني كارل يونغ، الذي دعا إلى الاعتراف بالتنجيم كعلم قائم بذاته. وكان يونغ في آخر أيامه يصر على الحصول على خريطة الطالع لمرضاه، لأن ذلك يساعده في فهم شخصية المريض وصفاته النفسية مما يفيده في العلاج.
وقام عدد من العلماء بإجراء دراسات لاختبار بعض مزاعم المنجمين، مثل ارتباط طول العمر أو قصره بأبراج معينة، وقد ثبت عدم صحة هذا الزعم في بحث قام به الرياضي والفيلسوف جون إيدي على مجموعة كبيرة من الأشخاص الذين وصلوا إلى سن التسعين. ولكن إيدي أثبت من ناحية أخرى أن ظاهرة طول العمر مرتبطة إلى حد ما بوجود الكواكب التي تحكم طالع الفرد.
وهناك الكثير من الأسماء التي اشتهرت في سماء التنجيم رغم أنهم اشتهروا أيضًا بأبحاثهم العلمية الجادة، مثل طاليس، فيثاغورس، أرسطو، بطليموس، أبولونيوس، الكندي، الخوارزمي، الصوفي، ابن سينا، البتاني، ثابت بن قرة، البوزجاني، المجريطي، عمر الخيام، الكرخي، أبناء موسى بن شاكر، البيروني، نصير الدين الطوسي، والعديد من الشخصيات الغربية مثل البابا سلفستر، البابا يوحنا، توماس الأكويني، كوبرنيكوس، تايخو براهي، كبلر، غاليليو، ونيوتن.
لا أعلم كيف غاب عن ذهن هؤلاء المشاهير إشكالات من يعترض على التنجيم!
كان جون كبلر، مؤسس علم الفلك الحديث، من أعظم المنجمين، وكان قليلًا ما يخطئ في تنبؤاته. فقد ذكر في تقويمه الفلكي لعام 1619 أن الإمبراطور ميتاس سوف يموت في شهر مارس من ذلك العام، وقد توفي بالفعل في العشرين من شهر مارس سنة 1619.
إذا قرأ كبلر طالع فرد من الأفراد، كان كأنه يرسم له صورة واضحة دقيقة كما لو كانت بريشة المصور العالمي رامبرانت. وأستاذ كبلر، تايخو براهي، كان منجم الإمبراطور النمساوي رودلف الثاني، وقد توقع تايخو عام 1563 ظهور الطاعون الأكبر الذي اجتاح أوروبا عام 1665. كما توقع أيضًا مجيء جوستاف أدولف عام 1572، وقال إن أميرًا شجاعًا على وشك الظهور، وسوف تبهر جيوشه ألمانيا بأسرها، ولكنه سوف يختفي عام 1632، وقد وُلِد جوستاف عام 1594 وقُتل عام 1632.
في ختام حديثنا عن علم التنجيم وتأثيره على كوكب الأرض والإنسان، يتضح أن هذا العلم، رغم ما يكتنفه من جدل، يحمل في طياته العديد من الحقائق العلمية التي تستحق التقدير والدراسة. لقد أظهر التاريخ والعلماء عبر العصور وجود روابط معقدة بين الأحداث الكونية وسلوكيات البشر، مما يفتح آفاقًا جديدة للتفكير والتأمل.
فبينما يبقى التنجيم مجالًا مثيرًا للجدل، فإنه يدعونا إلى استكشاف أعماق الكون وفهم تأثيره علينا، لنكون أكثر وعيًا بعلاقاتنا مع العالم من حولنا. يبقى السؤال: هل نحن مجرد كائنات تعيش على كوكب صغير في الفضاء، أم أننا جزء من نظام كوني أكبر يحيط بنا ويؤثر في مصائرنا؟
إن التفكير في هذه العلاقات قد يساعدنا في تحقيق توازن أكبر في حياتنا، ويشجعنا على احترام الروابط التي تجمعنا بالكون. لذا، فلنستمر في البحث والاستكشاف، ولنجعل من فضولنا دافعًا لفهم أعمق لعالمنا المليء بالأسرار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.