تزايد ظاهرة زراعة النخل بالمغرب عوض التشجير يثير جدلا بيئيا
اعداد :حسن الحماوي
شهدت السنوات الأخيرة في المغرب تزايداً لافتاً في اعتماد جماعات ترابية ومجالس بلدية على زراعة شجر النخيل، خصوصاً في الفضاءات العامة، الساحات والشوارع، بدل اعتماد التشجير بالأشجار المتنوعة والمناسبة للمناخ المحلي. هذا التوجه أثار جدلاً واسعاً بين نشطاء بيئيين ومهتمين بالشأن البيئي، الذين يعتبرونه اختياراً غير علمي، يؤثر سلباً على التنوع البيولوجي والبيئي، كما أنه لا يحقق النجاعة المطلوبة في محاربة التغيرات المناخية.
ورغم أن النخيل يعتبر من الرموز الثقافية والعناصر الجمالية المرتبطة بالهوية المغربية، خاصة في مناطق الجنوب والجنوب الشرقي، إلا أن توسيع نطاق غرسه في مدن ساحلية وأخرى جبلية أو ذات مناخ معتدل يطرح أكثر من علامة استفهام. فبحسب مختصين في البيئة، فإن النخيل لا يوفر الظل الكافي، ولا يُسهم بنفس القدر في امتصاص ثاني أكسيد الكربون، مقارنة بأشجار عريضة الأوراق كـ”الزنزلخت” أو “الكاليتوس” أو “الفيكس”.
زراعة مكلفة ماديا وغير مستدامة
إلى جانب ذلك، يشير العديد من الفاعلين إلى أن زراعة النخيل تعتبر أكثر كلفة من غيرها من الأشجار، سواء من حيث اقتنائه أو صيانته المستمرة. كما أن هذه الأشجار لا تُثمر في معظم الأحيان، مما يجعلها حلاً زخرفياً أكثر منه بيئياً، عكس أنواع الأشجار الأخرى التي تقدم فوائد متعددة، مثل ظل وافر، تنقية الهواء، إنتاج الثمار، وجذب الطيورثم اعطاء جمالية للمدينة ،ثم انبعاث رواءح زكية من اشجار الليمون وكالبتوس…
دعوات إلى مراجعة هذا التوجه
في ظل هذا الوضع، دعت فعاليات مدنية ومؤسسات بيئية إلى ضرورة إعادة تقييم اختيارات التشجير الحضري، وتشجيع زراعة الأشجار المتكيفة مع المناخ المحلي والتي تقدم فوائد بيئية واقتصادية واضحة. كما نبهت إلى خطورة “تعميم نموذج واحد” على حساب التنوع، محذّرة من أن ذلك قد يسهم في إضعاف المنظومة البيئية الحضرية وفقدان التوازن الطبيعي.
بين الهوية والجماليات والبيئة
وفي هدا السياق وفي تصريح اعلامي لمصطفى بنرامل، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، اوضح أن الإصرار على تنخيل عدد من المدن التي لا يناسب النخيل خصوصياتها ناتجا عن قرارات أحادية وانفرادية لمن يريدون فقط تزيين المدينة كيفما اتفق، أو لغرض إطلاق صفقات ومنحها لشركات معينة أو أشخاص لا تربطهم بجمالية المدينة أو دور النباتات في مكافحة التغيرات المناخية أي علاقة”.
وقال في ذات التصريح إن “المدن المغربية الواقعة على محور مراكش- الكويرة يمكن أن يتم غرس النخيل في شوارعها وحدائقها”، مستدركا بأنه “على الرغم من ذلك، فإن هذه الشوارع تظل في حاجة إلى أشجار أخرى قادرة على التأقلم مع ارتفاع درجات الحرارة، ونقص التساقطات المطرية، بما أن لها دورا فعالا في امتصاص ثاني أوكسيد الكربون”.
أما المناطق المغربية الشمالية والجبلية والغربية، فإن غرس النخيل بمدنها يبقى، في منظور الخبير البيئي، “أمرا مرفوضا بالمطلق؛ نظرا لأن هذا النوع من الأشجار يعد دخيلا على الوسط الحضري”
رغم الانتقادات، ترى بعض الجماعات المحلية أن اختيار النخيل ينبع من رغبة في تعزيز الهوية الجمالية والثقافية للمدن المغربية، كما أن صموده في وجه الجفاف وقلة حاجته للمياه مقارنة ببعض الأنواع الأخرى يجعلان منه خياراً عملياً، خصوصاً في زمن الأزمة المناخية.
لكن المهتمين بالبيءة يؤكدون أن مواجهة التغير المناخي تتطلب مقاربة شمولية ومستدامة، يكون فيها التنوع النباتي ركيزة أساسية، بدل الاقتصار على معايير جمالية أو رمزية، مهما كانت قيمتها التراثية
مدن كبرى شهدت غرس مكثف للنخيل بدل الاشجار
و من أبرز المدن المغربية التي شهدت أكبر حملات لزراعة النخل في الشوارع العامة، الدار البيضاء حيث تحوّلت معظم شوارعها إلى فضاءات مزروعة بـالنخيل، خاصة من نوع “الواشنطونيا” أو “النخل الرومي”، رغم الاحتجاجات والإشعارات البيئية المستقبلية .وفي هذا الصدد فجماعة المدينة واصلت تنفيذ عمليات “تنخيل” بشكل واسع في شوارع مثل شارع الجيش الملكي ومحيط الترامواي، رغم توقيع سكان على عرائض تطالب بزراعة أشجار توفر ظل ونفع بيئي أكثر .
مدينة الرباط العاصمة أطلقت حملات لزراعة النخيل في الساحات والطرق الكبرى وخاصة “النخل الرومي”، مما أثار جدلاً بيئيًا حول استبدال الأشجار الأصلية بأنواع أقل ملاءمة بيئياً .
مراكش ايضا عرفت تغييرات في التخطيط الحضري أدّت إلى اقتلاع آلاف الأشجار الأصلية (مثل الكواتشو والزيتون) واستبدالها بالنخل الرومي، خاصة في شارع الحسن الثاني وأحيائها الكبرى داخل المدينة الحمراء
كما تعتبر فاس وأكادير ضمن المدن التي نفذت حملات مكثفة لغرس النخل في الشوارع العامة. وقد شملت هذه العمليات إزالة أشجار محلية وزراعة النخيل الرومي بدلاً منها، ما أثار احتجاجات من بعض الجمعيات البيئية المحلية مثل “مغرب البيئة 2050” .
معارضة واحتجاجات بيئية
جاءت التحذيرات من حركة مغرب البيئة 2050 حيث وصفت هذه الظاهرة بأنها “جريمة بيئية” تستهدف التنوع البيولوجي والهوية الجغرافية للمدن، وخصوصًا عند غرس “النخل الرومي” في مدن ليست موطنه الطبيعي، مثل شمال المغرب والمناطق الساحلية .
وفي هذا السياق يثير الانتشار الكبير للنخل الرومي مخاوف من تملح التربة، استنزاف المياه، انخفاض التنوع النباتي، وفق تحليلات من نشطاء بيئيين شملت الدار البيضاء، الرباط، فاس، أكادير، ومراكش .