مصنع مغربي جديد للطائرات المسيّرة يقلق الجارة الإسبانية
أثار افتتاح المغرب لمصنع جديد لإنتاج الطائرات المسيَّرة من طراز SpyX في إقليم بنسليمان، على بُعد أقل من 100 كيلومتر من جزر الكناري، اهتماماً واسعاً في الصحافة الإسبانية، التي قدّمت الحدث باعتباره “قفزة استراتيجية” للمملكة في مجال الصناعات الدفاعية.
ورغم نبرة القلق التي طبعت جزءاً من التغطية الإعلامية في الجارة الشمالية، فإن المعطيات الميدانية تؤكد أن المشروع يندرج ضمن رؤية مغربية أشمل لتطوير منظومة صناعاتها الدفاعية وتقليص التبعية الخارجية.
المصنع الجديد، الذي أُحدِث بشراكة مع شركة إسرائيلية تابعة لمجموعة Israel Aerospace Industries (IAI)، يُعدّ الأول من نوعه في شمال إفريقيا والشرق الأوسط خارج الأراضي الإسرائيلية، لإنتاج هذا النوع من الذخائر الجوّالة.
ويأتي هذا الاستثمار في سياق تعاون عسكري–صناعي بين الرباط وتل أبيب، انطلق بعد توقيع “اتفاقيات أبراهام” سنة 2020، وما تبعها من تعزيز للعلاقات العسكرية، بما في ذلك توقيع أول اتفاق دفاعي شامل بين البلدين سنة 2021.
ويمنح هذا التعاون المغرب فرصة نقل التكنولوجيا وتكوين مهندسين وتقنيين مغاربة، بما يتيح للمملكة بناء قاعدة صناعية دفاعية تتماشى مع أهدافها في مجال الأمن القومي، كما يسمح بتطوير قدرات ذاتية على المدى المتوسط والطويل.
ويُصنَّف “SpyX” ضمن فئة الطائرات المسيّرة الانقضاضية، بمدى يصل إلى 50 كيلومتراً وزمن تحليق يقارب 90 دقيقة، مع قدرة عالية على تتبع الهدف بدقة قد تصل إلى متر واحد. ويعمل بمحرك كهربائي ويُطلق عبر منصات مركبة على مركبات عسكرية، ويمكن تزويده بأنواع مختلفة من الشحنات المتفجرة الصغيرة.
ووفق الخبراء، فإن امتلاك هذا النوع من الأنظمة يشكل إضافة نوعية لمنظومة الردع المغربية، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية في منطقة الساحل والصحراء.
الاهتمام الإسباني بالمشروع لم يخلُ من قراءة جيوسياسية مرتبطة بقرب المصنع من جزر الكناري. غير أن مراقبين يؤكدون أن تطوير الصناعة الدفاعية المغربية يأتي في إطار رؤية وطنية تنبع من سياقات إقليمية متحولة، ولا يستهدف طرفاً بعينه.
فمن جهة، يعيش ملف الصحراء المغربية مرحلة جديدة بعد دعم مجلس الأمن لخيار الحكم الذاتي باعتباره إطاراً واقعياً وقابلاً للتطبيق، في حين نُسجت شراكات جديدة للمغرب في مجالات الطاقة، الدفاع، والبنيات التحتية مع قوى دولية وإقليمية، من بينها الولايات المتحدة، إسرائيل، الصين، وتركيا.
وفي موازاة التعاون مع تل أبيب، أبرم المغرب اتفاقات أخرى تشمل تركيب مصانع للمسيّرات التركية Baykar، ومشاريع للمدرعات مع الهند، مما يعكس تنويع الشركاء بدل الارتهان لمحور واحد.
ووفق أرقام متداولة في الصحافة الإسبانية، سيصل ميزانية الدفاع المغربية لسنة 2026 إلى ما يعادل 14.7 مليار يورو، بزيادة تقارب 18% مقارنة بالسنة الجارية.
ويأتي هذا التوسع في إطار تحديث شامل للجيش وتطوير قدرات التصنيع المحلي، إضافة إلى مواكبة التحديات الأمنية في الساحل، والهجرة غير النظامية، والتهديدات السيبرانية.
ورغم محاولات بعض المنابر الإعلامية في الجارة الشمالية تقديم المشروع داخل إطار “التهديد” أو “التوسع العسكري”، إلا أن القراءة الواقعية تشير إلى أن المغرب يسعى، شأنه شأن دول عديدة، إلى تطوير صناعة دفاعية وطنية تضمن له استقلالية القرار الأمني، وتلائم دوره الإقليمي المتنامي.
وفي الوقت الذي تربط فيه الرباط ومدريد علاقات تعاون وثيقة في ملفات الهجرة والأمن والاقتصاد، يبقى تطوير الصناعة العسكرية خياراً استراتيجياً مغربياً لا يتعارض مع الشراكة القائمة، بل يندرج ضمن مسار تحديثي شامل يشمل قطاعات مدنية وعسكرية على حد سواء.