إسبانيا تعيد ترتيب ملف الهجرة عبر تسوية استثنائية بشروط واضحة

الحدث 24 نسيم السعيدي

تتجه الحكومة الإسبانية إلى اعتماد مقاربة جديدة في تدبير ملف الهجرة من خلال مسودة مرسوم ملكي يروم تسوية الوضعية القانونية لفئة من المهاجرين المقيمين فوق التراب الإسباني بصفة غير نظامية. هذا التوجه يأتي في سياق سعي مدريد إلى تحقيق توازن بين متطلبات الإدماج الاجتماعي والاقتصادي، وبين ضرورات احترام الضوابط القانونية المرتبطة بالأمن والنظام العام. ووفق المعطيات المتداولة، فإن العملية المرتقبة ستشمل الأجانب الذين تمكنوا من إثبات وجودهم داخل إسبانيا قبل فاتح يناير 2026، أو الذين سبق لهم التقدم بطلبات حماية دولية قبل هذا التاريخ، شريطة إثبات إقامة فعلية لمدة لا تقل عن خمسة أشهر.

المسودة الجديدة تضع الجانب الأمني في صلب مسطرة التسوية، إذ تنص على إخضاع جميع الطلبات لفحص دقيق يشمل مراجعة السوابق الجنائية داخل إسبانيا وفي بلد المنشأ وأي دولة أقام بها المعني خلال السنوات الخمس الماضية. وتؤكد السلطات أن الهدف من هذا الإجراء هو ضمان ألا يشكل المستفيدون المحتملون أي تهديد للنظام العام أو السلامة أو الصحة العامة. وفي حال تعذر على المتقدم الحصول على شهادة السجل العدلي من بلده الأصلي داخل الآجال المحددة، يمكن للإدارة الإسبانية أن تباشر طلب المعلومات عبر القنوات الرسمية، مع إمكانية قبول تصريح مؤقت إلى حين استكمال المعطيات الضرورية.

ومن بين المقتضيات اللافتة في المشروع، تمكين المترشحين من حق الإقامة والعمل بصفة مؤقتة ابتداءً من تاريخ تقديم الطلب، سواء في إطار عمل مأجور أو نشاط مهني مستقل، وهو ما يمنحهم هامشاً من الاستقرار القانوني خلال فترة دراسة ملفاتهم. كما يشمل الإجراء أفراد الأسرة المعالين، بمن فيهم القاصرون، في خطوة تعكس توجهاً نحو الحفاظ على الوحدة الأسرية وضمان حد أدنى من الحماية الاجتماعية. وحددت الحكومة مهلة ثلاثة أشهر للبت في الطلبات، على أن يعتبر الملف مرفوضاً إدارياً في حال عدم صدور قرار صريح داخل هذا الأجل، باستثناء الحالات التي تقتضي تعليق المسطرة لأسباب قانونية.

وتفرض المسودة الإدلاء بجواز سفر ساري المفعول أو وثيقة سفر معترف بها، مع التنصيص على إلغاء أوامر الترحيل السابقة إذا صدر قرار بالموافقة على منح تصريح الإقامة. كما تم تحديد 30 يونيو 2026 كآخر أجل لإيداع الطلبات عبر المنصات الرسمية للوزارات المعنية، مع برمجة فتح مكاتب إدارية خاصة لتلقي ومعالجة الملفات في مختلف المناطق الإسبانية. وتشير المعطيات إلى أن بعض الأقاليم ذات الخصوصية اللغوية قد تعتمد شروطاً إضافية عند تجديد الإقامة، خاصة في ما يتعلق بمدى الاندماج اللغوي والمهني.

وتعكس هذه الخطوة توجهاً رسمياً لمعالجة أوضاع المهاجرين المقيمين بشكل غير نظامي ضمن إطار قانوني منظم، في وقت تعرف فيه إسبانيا حاجة متزايدة إلى اليد العاملة في عدد من القطاعات. وبين من يرى في القرار فرصة لتصحيح الأوضاع وفتح آفاق جديدة للاستقرار، ومن يعتبر أن تشديد شروط المراقبة قد يحد من الاستفادة الواسعة، يبقى نجاح العملية رهيناً بمدى وضوح المعايير وسرعة البت في الملفات، بما يضمن تحقيق التوازن بين الاعتبارات الإنسانية ومتطلبات السيادة القانونية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.