لغز اختفاء المهندس الفرنسي كلِمان بيسنوفيل في المغرب
بعد مرور قرابة عشرين شهراً على اختفاء المهندس الفرنسي كلِمان بيسنوفيل في العاصمة الرباط، لا تزال القضية تراوح مكانها بين تحقيق مغربي لم يصل إلى خيط حاسم، و اشتباه فرنسي بدوافع إرهابية فتح الباب أمام تدخل أجهزة مكافحة الإرهاب في باريس وإعادة رسم سيناريوهات الاختفاء من جديد.
وفي 29 يوليوز الماضي، تلقّى والدا الشاب اتصالاً غير عادي من ضابط في جهاز المخابرات الداخلية الفرنسية (DGSI) يدعوهما للحضور فوراً إلى المقر الرئيسي للجهاز في لافالوا ـ بيري. وهناك، وجد الوالدان نفسيهما أمام أسئلة دقيقة حول احتمال تطرف ابنهما، وعلاقاته في المغرب، وحركته خلال الأسابيع التي سبقت اختفاءه.
وكان الخبر الأكثر صدمة بالنسبة لهما هو إعلان فتح النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب (PNAT) تحقيقاً رسمياً في تهمة “تكوين عصابة إرهابية”، موجهاً بشكل مباشر إلى كلِمان الذي اختفى في 10 أبريل 2024 بينما كان يبلغ من العمر 29 عاماً.
ومن الجانب المغربي، فُتح تحقيق جنائي منذ الأيام الأولى للاختفاء، قادته الشرطة القضائية المغربية، المشهود لها بنسبة حلّ مرتفعة للقضايا الجنائية تصل إلى 96% وفق تصريحات رسمية في 2024. ورغم ذلك، لم يظهر للمهندس الفرنسي أي أثر منذ أن “تبخر” في Rabat، وفق وصف عائلته.
مصادر مطلعة في المغرب تشير إلى أن التحقيق لم يعثر على أي مؤشرات تقود إلى جريمة قتل، أو عملية اختطاف، أو حتى مغادرة غير قانونية للبلاد. كما لم يتم العثور على هاتفه أو أي من متعلقاته، ما جعل عملية التتبع أكثر تعقيداً.
والمثير في القضية هو أن فرضية التطرف لم تكن مطروحة في البداية، لا لدى عائلته ولا لدى المقربين منه. غير أن معطيات جديدة، حصلت عليها أجهزة الأمن الفرنسية في مرحلة لاحقة، جعلتها تعيد تقييم مسار التحقيق بالكامل. وعُلم أن باريس تدرس احتمال ارتباط الشاب بخلية أو أفراد ذوي توجهات متطرفة داخل المغرب أو خارجه.
إلا أن مصادر فرنسية قريبة من الملف تعترف بأن الفرضية لا تزال غير مؤكدة، وأن عدم وجود جسم الجريمة أو دليل مادي يضع الأجهزة أمام “قضية شديدة الضبابية”.
وتأخذ القضية بعداً خاصاً لأنها وقعت في بلد يُصنَّف من الأكثر أمناً في المنطقة، ويملك أجهزة أمنية ذات سمعة قوية في مكافحة الإرهاب—خصوصاً بعد تفكيك عشرات الخلايا منذ 2015.
ولذلك، يرى خبراء أن بقاء القضية معطلة رغم الإمكانيات الكبيرة المتاحة للتحقيق في البلدين، يفتح الباب أمام سيناريوهات متناقضة: انتحار أو حادث معزول لم يُكتشف بعد، خروج سري من المغرب نحو منطقة نزاع، اختفاء إرادي بسبب اضطرابات نفسية محتملة، عمل إجرامي دقيق لم يُكشف بعد، أو تطرف سريع وفجائي قاده نحو مسار مجهول
وما بين تحقيق مغربي جنائي لم يجد شيئاً، وتحقيق فرنسي ذي طابع إرهابي يفترض الكثير دون أدلة دامغة، تتشبث عائلة بيسنوفيل بأمل أخير: الوصول إلى معلومة صغيرة تفتح الطريق نحو الحقيقة.
وفتح اختفاء الشاب الفرنسي الذي جاء للعمل في الرباط نقاشاً جديداً حول التعاون الأمني بين فرنسا والمغرب، وحول آليات التعامل مع حالات الاختفاء الغامضة، خصوصاً عندما يختفي شخص في دولة آمنة دون أن يترك وراءه أي أثر.