المغرب… حارس صامت للأمن العالمي في مواجهة الإرهاب العابر للحدود
لم يعد المغرب فاعلًا أمنيًا إقليميًا فحسب، بل بات، خلال السنوات الأخيرة، أحد الأركان الأساسية في منظومة الأمن الدولي ومكافحة الإرهاب، بفضل نموذج أمني استباقي جعل من أجهزته الاستخباراتية مصدرًا موثوقًا للمعلومة والتدخل الوقائي بالنسبة لعدد من العواصم الأوروبية والدول الإفريقية.
هذا التحول النوعي في موقع المملكة على خريطة الأمن العالمي لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة رؤية استراتيجية طويلة النفس، تجمع بين العمل الاستخباراتي الدقيق، والتأطير القانوني الصارم، والتعاون الدولي الفعّال.
أحدث تجليات هذا الدور الدولي برزت في يناير 2026، حين أعلنت السلطات النمساوية إحباط مخطط إرهابي خطير، بفضل معلومات استخباراتية وصفتها فيينا بـ«الحاسمة» قدمتها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) المغربية.
وأسفرت العملية عن توقيف مواطن نمساوي على صلة بتنظيم “داعش”، كان يخطط لتنفيذ هجمات واسعة ضد قوات الأمن. وكشفت التحقيقات، التي تسارعت بفضل التنسيق المغربي-النمساوي، عن مواد دعائية رقمية وتسجيلات فيديو تتضمن مبايعته للتنظيم الإرهابي.
هذا التعاون الأمني شكّل نموذجًا حيًا لنجاعة الشراكة الاستخباراتية العابرة للحدود، ورسّخ صورة المغرب كفاعل موثوق في الاستباق الأمني الدولي.
يرتكز النموذج الأمني المغربي على مبدأ الضربات الاستباقية، أي تفكيك التهديدات في مراحلها الأولى، قبل انتقالها إلى حيز التنفيذ. ووفق معطيات رسمية، تمكنت الأجهزة الأمنية المغربية منذ سنة 2002 من تفكيك أكثر من 200 خلية إرهابية، بفضل تشريعات عززت التجريم المبكر للارتباط بالمشاريع المتطرفة.
وقد شكّل القانون المتعلق بمكافحة الإرهاب، الذي صدر بعد تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003، منعطفًا حاسمًا، إذ مكّن السلطات من التدخل في مرحلة النوايا والتخطيط، بدل الاكتفاء برد الفعل بعد وقوع الهجمات.
في قلب هذا النموذج، يبرز المكتب المركزي للأبحاث القضائية (BCIJ)، الذي يوصف غالبًا بـ«FBI المغرب»، باعتباره حلقة الوصل بين العمل الاستخباراتي والمتابعة القضائية.
تأسس المكتب سنة 2015، في أعقاب التحولات التي عرفتها التهديدات الإرهابية عالميًا، ليجسد مقاربة متكاملة تقوم على: رصد التهديد عبر DGST، والتدخل الميداني من خلال صلاحيات الشرطة القضائية، ثم التأطير القانوني تحت إشراف النيابة العامة، وهذا الدمج بين الأمن والقانون مكّن من الحفاظ على قوة الأدلة، وتسريع المساطر، وضمان محاكمات قائمة على حجج دامغة.
ولا يقتصر عمل المكتب على الإرهاب، بل يشمل أيضًا الجريمة المنظمة، والاتجار الدولي بالمخدرات، والجرائم السيبرانية، خاصة في ظل تنامي استعمال التنظيمات المتطرفة للفضاء الرقمي وشبكات التواصل.
وامتد تأثير التعاون الأمني المغربي ليشمل دولًا أوروبية عدة، من بينها إسبانيا، فرنسا، بلجيكا، ألمانيا، وإيطاليا، حيث أسهمت معلومات مغربية في إحباط هجمات وشيكة، وفق تقارير أمنية متطابقة.
وبهذا الدور، تحوّل المغرب إلى ما يشبه مزودًا دوليًا للأمن الوقائي، في زمن باتت فيه التهديدات الإرهابية عابرة للحدود، وسريعة التكيف مع المتغيرات التكنولوجية.
ويعزو خبراء هذا النجاح إلى استثمارات كبيرة في التكنولوجيا الأمنية، إلى جانب تكوين العنصر البشري، بما يسمح بدمج الاستخبارات التقليدية مع تتبع الشبكات المتطرفة في الفضاء الرقمي، بما في ذلك “الدارك ويب”.
ومع استمرار التحديات الأمنية عالميًا، يبرز النموذج المغربي، القائم على الاستباق، والتنسيق الدولي، والصرامة القانونية، كأحد أنجع النماذج في مواجهة التطرف العنيف، مؤكّدًا مكانة المملكة كـحارس صامت للأمن العالمي.