مدير النشر : حسن الحماوي |نائب مدير النشر : عبد السلام بوستى| رئيس التحرير : محمد بودويرة| الهاتف : 0600683933
أخبار عاجلة
الرئيسية » اخبار دولية » إفتتاحية » قصة قصيرة : حافية القدمين…..

قصة قصيرة : حافية القدمين…..

كتبتها : نجاة الجحيلي

انطلقت تسابق الريح وسط عمران أخرس تنبت فيها العمارات كما تنبت الأعشاب الطفيلية في الغابة والحقول.أضواء المدينة الباهتة تنسيها صخب القاعات، صوت المذياع يداعب لقبها المحبوب ” ترقص ،ترقص حافية القدمين ” ،تنتشي بتكرار المقطع وهي تقارن نفسها براقصة” الفيديو-كليب”المصاحب للأغنية..
تمر صور الشريط أمامها ….فتيات في عمر الزهر يتركن غرف العلم ليلتحقن بحقول الجهل والعار،يعملن حافيات القدمين ،عاريات من الحقوق،مغتصبات في براءة طفولتهن ،مهانات في كرامتهن.ترى :اين رجال اليوم من أنفة الأجداد ؟ ذكور يعتمدون على الإناث في كل شيء….
“ترقص،ترقص حافية القدمين” لازمة تنتشي بسماعها .تعود بها إلى متعة الرقص حين يتحرر الجسد من كل القيود. تتناول هاتفها،تعيد سماع المقطع مرفوقا بمشاهد حية للرقص،تتماهى مع راقصة تتوسط مجموعة من الحسناوات ،تتمايل ،تهتز مفاصلها ،تتابع حركات أصابعها وذراعيها،ترنو إلى قدميها الناعمتين وهما تلامسان البساط كفراشة تداعب خدود الأقحوان والياسمين وتغازل جنبات الحقول المزهرة في الربيع….
ضجت القاعة بتصفيقات الحاضرين المنتشين بلحظات متعة زائفة.نزلت من المنصة وسط هتافات محبيها،تبادلهم التحايا،توزع قبلات في الهواء،يتلقفها كل زائر بكل فخر وكأنه الوحيد المقصود بقبلة “حافية القدمين”…
حافية القدمين تقطع مسافات طويلة من البيت إلى مهد العلم.تتذكر تلك اللحظات بحسرة .تسرع الخطى لكي لا تتأخر كثيرا عن موعد الدرس،تجري وسط أشجار كثيفة على نغمات مياه تروي شرايين الوادي الصغير الذي يفصل البيت عن الحجرة الدراسية،تحت أمطار غزيرة تارة،وأشعة حارقة تارة أخرى…
بين جرح وجرح برزخ من آهات تئن بها بين فينة وأخرى،آهات تئن بها أغصان تغازل ضوء القمر وهي تصرخ ولا أحد يسمعها،تقاوم وحشا كاسرا تريص بها طويلا ،تحين الفرصة حتى خانها جسدها وقدماها.سقطت فريسة بين مخالبه ،تأوهت ،صرخت لكن دون جدوى….ظلت تتستر على جرحها ،تلف جسدها بوشاح العار والهزيمة.فقدت دفء زميلاتها وهن يتساءلن عن سر انعزالها وهي العاشقة للمرح ،تضفي على سكون الساحة وكآبتها مسحة من الفرح حين تتوسطهن،ترقص ،تتمايل ،يكسرن إيقاعات الزمن الكئيب بتصفيقاتهن وغنائهن ..كانت لحظة ماتعة تنتظرنها كل يوم وقت الاستراحة حين ترمي “حلومتها” وترقص حافية القدمين.
تتوقف السيارة أمام محل الإقامة .تترجل ،تفتح باب الشقة ،تتجه صوب سريرها ، صوت المؤذن يذكرها بالقرية ورائحة الدخان المتصاعد من أكواخها. ترتمي بين أحضان مخدتها .تحاول إعادة الشريط لكنها لا تقوى على ذلك.تعبت كثيرا من حرقة السؤال.تعبت من كل شيء…تركت الكل ونامت…..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *