خالد لشهب يكتب: “وداعا إخوان بنكيران”

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أقول وداعا لأني أدرك أن غياب العدالة والتنمية عن رئاسة الحكومة وعن تصدر المشهد السياسي سيطول كثيرا، أو ربما لن يعود بإمكاننا الحديث مجددا عن حزب ذا شان، و بتلك القوة والشأو الذي بلغه من الشعبية بما لم يبلغه حزب من قبل ولا من بعد.

وما أكتبه هاهنا لا يكون الهدف منه الدعوة إلى نقد ذاتي، أو لمحاولة القيام بلملمة للحزب، فقد فات الأوان، و القضية أكبر بكثير وأعقد من تجربة حكومية في بلد ديمقراطي تتناوب الأحزاب على حكمه، وتخضع تجاربها التدبيرية للمساءلة، ومن تم الاحتكام لصناديق الاقتراع. ولكن الأمر هنا يختلف تماما، ويتجاوز مجرد فترة تدبير حكومي تكون الأحزاب فيها مضطرة لنقد ذاتي ثم تعود للمنافسة. فمعلوم أن الأحزاب التي خرجت أو تدعي أنها خرجت من رحم الشعب؛ لابد أن تجاربها تُحاكم بقدرتها على التأثير في شكل الدولة المخزنية والدفاع عن شكل الدولة الدمقراطية، والتمكين لنموذجها الشعبي، والقدرة على مجابهة الفساد المصاحب لشكل الدولة السلطانية، والانتصار للإرادة الشعبية. فالصراع ليس صراعا يقوم أساسا على التدبير الحكومي، ولكنه يروم جملة من الأمور التي كانت تتطلع إليها الجماهير ويبشر بها الحزب.

لا يمكنني القول في البداية إن حزب العدالة والتنمية ضعف إلى ذلك الحد الذي يمكن أن نفسر به تلك السقطة التي لم يتوقعها أحد. وهو ما لا يعني بمفهوم المقابلة أن الأحزاب التي تقدمت عليه أصبحت أفضل منه. فحزب العدالة والتنمية كان وما يزال أكثر الأحزاب تنظيما واحتراما للعملية الدمقراطية، وما يزال يحتفظ في داخله بكثير من المناضلين الشرفاء المؤمنين بمشروع الحزب، والذين لهم الأثر ولابد في كثير من المدن والمداشر على غرار باقي الشرفاء في كل الأحزاب الشعبية والإدارية. ولكن الأمر كما قلت آنفا هو أعقد من كل هذه الحيثيات. فالمخزن فرض على الحزب والمغاربة ما يسمى بالأمر الواقع، واندحار الحزب كان حاجة مخزنية قبل أن يعبّد لذلك الطريق وتتماهى الفكرة وتوافق هوى في نفوس كثيرة لم تعد قادرة على الإيمان بحزب يدعي أنه يخوض حربا؛ تتحسن أحوال أعضائه؛ بينما تزداد حال الناس بؤسا وتتراجع المكاسب يوما بعد يوم.

لقد كتبت في مناسبات كثيرة وشبهت ما يقع بين المخزن والحزب الإسلامي بالعشق الممنوع. فالمخزن والإسلاميون يشتركان في المرجعية الدينية، ونجاح الإسلاميين لن يكون إلا على حساب شعبية الملكية التي تريد أن تكون وحدها فقط الوصية والضامنة للشأن الديني وكل إصلاح معتبر. وهذا ما يجعل العلاقة بين المخزن والإسلاميين عنوانها الدائم هو التوجس، والحيطة، والريبة الشديدة. وحتى وأن الإسلاميين أرسلوا ويرسلون في مناسبات عديدة إشارات في صيغة انبطاحات، وولاءات لا تقدر عليها حتى الأحزاب الإدارية التي صنعها المخزن بيديه؛ فإن ذلك لم يُذهب عن المخزن توجسه الدائم من محاولات الإسلاميين الدخول في دائرة المخزن واختراقه بالتعويل على الزمن. هذا الانبطاح الذي كان من الأسباب الكبرى لاندحار الحزب؛ حين ظن رؤوس الحزب -وخاصة في تيار الاستوزار- أن القرب من المخزن وحده كاف لمنح القوة وقد كانت النتيجة أن خسر الحزب قاعدته الجماهيرية . فلا هو إلى الشعب ولا هو إلى المخزن الذي يستحيل أن يُشرك في حكمه وإسراره الإسلاميين خاصة بما يظهرونه من ازدواجية في الخطاب.

إن تجربة الحزب كانت محكومة بالفشل منذ البداية، ولو أمكن للحزب أن يكتفي بالمعارضة أو بالتدبير الجماعي لكان خيرا له وللمؤمنين به، ولكن الحزب ارتقى للتدبير الحكومي في لحظة ما حاسمة، وحاز ثقة الجماهير باختلاف مشاربهم، وبدل أن ينتبه إلى من أوصلوه ظن أن انبطاحه الشديد للمخزن، وتقديم التنازلات، و لعب دور التلميذ النجيب، سيجعله يحظى بثقة المخزن التي لا تبقى معها حاجة للجماهير، ولكن المخزن كان يعلم ما لا يعلمه الحزب الذي انغمس في النعمة وأصبح طموحه فقط هو إرضاء المخزن لا يفضله طموح آخر؛ حتى وجد الحزب نفسه داخل متاهات من التناقضات، ولم يعد بإمكان المنعَّمين التراجع رغم التحذيرات المتكررة من الذين نبهوا إلى أن الحزب يهوي وأن قاعدته الشعبية بدأت تنتظر فقط أن تنتقم منه.

لقد كتبت في مقال سابق إن حزب العدالة والتنمية لم يكن يحمل موقفا راديكاليا ضد الملكية؛ لكنه كان يرى أن الملكية أفسدها محيطها، ولهذا كان طموح الحزب أن يكون خادما للملكية، أو بجعل الملكية خادمة للطموح الإخواني، وكان يعول في ذلك على جعل نفسه حزبا مخزنيا منبطحا ميزته عن الأحزاب الأخرى القاعدة الشعبية ونظافة اليد، لكن خبث المخزن عرف كيف يستثمر هذا الاندفاع والانبطاح لقضاء بعض الأوطار التي كان يستحي هو نفسه من حتى التفكير فيها، بل حتى بتعمد توريطه وإحراجه كما في حادث التطبيع الذي كان القشة التي قسمت ضهر بعير الحزب الإسلامي. وانتهى الأمر بأنه حتى الذين كانوا يتعاطفون مع الحزب- وقد يصبرون وتنطلي عليهم تبريرات التقشف وضرب المكتسبات- لم يستسيغوا أن يصل الأمر بالحزب الإسلامي -الذي طالما ملأ الدنيا وشغل الناس بالعداء للكيان الصهيوني وكسب بذلك قاعدته الشعبية الأولى – إلى توقيع تطبيع مع من كان يراهم العدو الدائم الذي لا يُسالم، وهذا ما جعل الحزب يفقد حتى كتلته الثابتة. هذا دون أن ننسى أن عزل الأمين العام والزعيم المؤسس والمنظر للحزب جعل الحزب بلا رأس خاصة مع سعد الدين العثماني الرجل الخدوم و الضعيف الذي يَفضله بنكيران في القدرة على الانبطاح الشديد بما لا يقدر عليه أحد، والشجاعة الشديدة بما لا يقدر عليه أحد ..وهذه الخاصية التي لا يتقنها إلا بنكيران.

إن من بين التناقضات الخطيرة التي وقع فيها الحزب الإسلامي هو ذلك الفرق الذي لا ينتبه له بين القانوني والأخلاقي، فالفساد في المغرب في شق كبير منه له قانون يحميه عمِل المفسدون على امتداد عقود على وضعه حفظا للمصالح الذاتية. وعندما كان الحزب في المعارضة كان يرسل خطابا أخلاقيا يمتح من المرجعية وتمثلات الناس الإسلامية، وعندما وصل الحزب للتدبير الحكومي انغمس في الفساد الذي يحميه القانون، واكتفى به عافا عن الفساد الذي لا يحميه القانون، ونسي أن وظيفته كحزب إسلامي هي وظيفة أخلاقية، وأوهم نفسه والناس أنه بمجرد التمتع بالامتيازات والتفضيلات والأجور السمينة والتعويضات التي يحميها القانون لا يعتبر فسادا،وتبجح بنظافة اليد كذبا وبهتانا. وهذا خلط شديد؛ ذلك أن القانوني ليس بالضرورة أخلاقي..وأكثر ما واخذ به الحزب شانئوه ذلك التقاعد السمين، والامتيازات التي انتهى إليها الزعيم بنكيران ونسي أو تناسى خطابه الأخلاقي أيام المعارضة من الأثر عن الخليفة عمر بن الخطاب: غرغري أو لا تغرغري فلن تذوقي سمنا ولا عسلا حتى يشبع جياع المسلمين..

وخلاصة القول – وأحسبني قد تحدثت في مقالات كثيرة على امتداد عشر سنوات عن تشريح وضعية الحزب وزعيمه بما يكفي- فإن قصة السقوط المدوي، والاندحار الشديد مبتدؤها ومنتهاها؛ ذلك الصراع الخفي بين طموح الاسلاميين للحظوة الملكية، وبين توجس وريبة المخزن الشديدين من حزب بمرجعية إخوانية.. فالمخزن كان يعول على انغماس الاسلاميين في النعمة ووقوعهم في التناقض ثم شيطنتهم، وقد كان له ذلك بمقدار.. بينما عول الإسلاميون بما تمليه عليهم أبجدياتهم على الزمن والحربائية لاختراق المخزن وتكييفه، وقد كان لهم من ذلك شيء ولو بمقدار..وبين المتصارعَين شعب يريد الخبز، أنهكه غياب المشروع والرؤية لدى الحزب الإسلامي، ولم يعد بمقدوره أن يصبر على حزب تتحسن أحوال أعضائه فقط بما أنعمت عليه المناصب من ريع مقنّن وامتيازات وأجور سمينة..وهو ما جعل الشعب ينسف الحزب نسفا ..حتى ولو بغاية محاربة الملل وتغيير الأجواء.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.