الخطأ القضائي في مجال الإعتقال الإحتياطي بين حماية الحقوق وضياعها بالمغرب - الحدث 24- Elhadat24 |جريدة الكترونية مغربية مستقلة.

الخطأ القضائي في مجال الإعتقال الإحتياطي بين حماية الحقوق وضياعها بالمغرب

كتبه كتب في 20 يناير 2021 - 2:43 م
مشاركة

 

الحسنية ركراكي: باحثة في العدالة الجنائية والعلوم الجنائية

تتعدد الظواهر والمشكلات الاجتماعية، التي توجد في مختلف المجتمعات سواء الديمقراطية وغير الديمقراطية، ولكل مجتمع أقضيته ومسائله ومشاكله التي تنبع من المتغيرات والتحولات التي تطرأ على الدولة، لكن الظواهر الجديرة بالبحث هي تلك التي تعكس أبعادا اجتماعية واقتصادية وقانونية ونفسية ملفتة للنظر حيث تطرح إشكالات نظرية وعملية.

وتعد العدالة من الموضوعات التي تشكل عصب الحياة الإنسانية، فبدون هذه العدالة تسود الفوضى والظلم في المجتمعات، وتتحول هذه الأخيرة إلى فضاء غير مؤسسة ينبني على شريعة الغاب لذلك حرصت المجتمعات البشرية والشرائع السماوية على إيجاد قواعد تؤسس لمبدأ العدالة بين جميع أفراد المجتمع، وهو ما يفرض وجود قضاة يشتغلون وفق قواعد قانونية تهدف في روحها ومقاصدها ومنطوقها إلى تحقيق العدالة المنشودة.

جرت العادة قبل الحديث عن الإشكالية الرئيسية للموضوع الإشارة إلى المفاهيم المركزية المهيكلة للموضوع محل التحليل، حيث سيتم التركيز على مفهوم أساسي و يتعلق الأمر بالخطأ القضائي، في مجال الإعتقال الإحتياطي.

  • الخطأ القضائي:

كما هو معلوم ،فإن التعريف كأصل عام ليس من اختصاص المشرع ،وإنما من عمل الفقه والقضاء وهي القاعدة العامة التي تنهجها العديد من التشريعات ،بالرغم من نزوع المشرع المغربي والفرنسي إلى تعريف بعض المفاهيم داخل متن النصوص القانونية.

وفي هذا السياق، ومن خلال استقراء الوثيقة الدستورية ومجموعة القانون المغربية، يتضح بأن المشرع سواء في إطار القوانين التي تنتمي إلى القانون الخاص أو القوانين المندرجة داخل القانون العام عمد إلى تجنب تعريف مفهوم الخطأ القضائي، حيث لا يوجد نص قانوني صريح في القوانين “الخاصة” المغربية يعرف مفهوم الخطأالقضائي، وهو ما يفرض العودة إلى الشريعة العامة المتمثلة في قانون الالتزامات والعقود[1]؛ وخاصة الفصول التالية:

ـــ الفصل 78: “كل شخص مسؤول عن الضرر المعنوي أو المادي الذي أحدثه، لا بفعله فقط ولكن بخطئه أيضا، وذلك عندما يثبت أن الخطأ هو السبب المباشر في ذلك الضرر.وكل شرط مخالف لذلك يكون عديم الأثر؛والخطأ بصفة عامة هو ترك ما كان يجب فعله، أو فعل ما كان يجب الإمساك عنه وذلك من غير قصد لإحداث ضرر”.

ـــ الفصل 79: “الدولة والبلديات مسؤولة عن الأضرار الناتجة مباشرة عن تسيير إداراتها وعن الأخطاء المصلحية لمستخدميها”.

 ـــ الفصل 81:” القاضي الذي يُخِلُ بمقتضيات منصبه يُسأل مدنياً عن هذا الإخلال تجاه الشخص المتضرر في الحالات التي تجوز فيه مخاصمته”.

استنادا على ما تقدم، يتبين من خلال الفصول القانونية المومأ إليها أعلاه، أن الخطأ القضائي قد يمس مباشرة حقوق الأشخاص وحرياتهم، ويحول دون ممارسة حياتهم العادية في التحصيل والكسب، مع إمكانية تأثيره على أسرهم؛ خاصةً إن كان ضحية الخطأ القضائي هو المعيل الوحيد لأفراد أسرته.[2]

وبعيدا عن القوانين ذات البعد الموضوعي، فإن القوانين ذات الصبغة الشكلية قد تعرضت للخطأ القضائي، حيث ورد في المواد (من:565  إلى:  574) من المسطرة الجنائية مايلي:

“لايفتحبابالمراجعةإلالتداركخطأفيالوقائعتضررمنهشخصحكمعليهمنأجلجنايةأوجنحة.

لاتقبل المراجعة إلاعند انعدام أية طريقة أخرى  من طرق الطعن وفي الحالات وضمن الشروط التي ستذكر فيم ايلي”.

لذلك إرتأينا أن ننقاش هذا الموضوع من نقطتين:

النقطة الأولى: الإطار المرجعي للخطأ القضائي  .

إن  موضوع أخطاء الاجهزة القضائية يثير نقاشات في غاية الأهمية يكمن، في مدى دقة التنظيم وقدرة المشرع الجنائي على ترشيد السياسة العقابية المقررة في قانون الجنائي المغربي لغرض حماية حقوق الافراد و الجماعات.

تعد الدولة المعاصرة منذ نشأتها إلى يومنا هذا، وانفصالها عن الشخص الحاكم واستقلالها عنه ذلك الشخص القانوني الأساسي على المستويين الدولي والداخلي، وما يترتب على هاته الصفة ـ الشخصية المعنوية ـ من ذمة مالية وحق التقاضي .

ومن هذا المنطلق، فباكتسابها لهاته الشخصية المعنوية تكتسب حقوق وتتحمل الالتزامات كمدعي ومدعى عليها وبعبارة أخرى خضوعها للقانون.

كل هذا يجعل من فكرة تقرير مسؤولية الدولة، ضرورة ملحة تفرضها الاعتبارات السالفة الذكر، بالرغم من مبدأ عدم مسؤولية الدولة،الذي ساد منذ زمن وتراجع تدريجيا بفضل المحاولات الفقهية الجادة والاجتهادات القضائية الجريئة والأفكار التحررية الديمقراطية،التي ما فتئت تسعى جاهدة لكفالة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية المعترف بها بنص الدساتير والمواثيق الدولية[3].

فهذا المبدأ عمَّر لمدة طويلة،وكان يستند على مبررات تلقى سندها في مساءلة الدولة ومقاضاتها وإلزامها بالتعويض أمر يتنافى مع  سيادتها، بل أكثر من ذلك هنالك من اعتمد في تبريره لعدم مساءلة الدولة على فكرة الحاكم لا يخطئ لما يتمتع به من سلطة وجاه.

كما هو معلوم، يتركز الهدف الأساسي للدولة في حماية الصالح العام، عكس الافراد الذي يهمهم حماية مصالحهم الخاصة[4]، فمنذ القرن التاسع عشر لم تكن مسؤولية الدولة عن أخطاء موظفيها معترف بها، ولكن مع التطورات الأيديولوجية التي حدثت في بداية القرن العشرين، وتحولات الفكر السياسي الذي نقل فكرة السيادة من شخص الملك إلى الدولة والشعب، برزت فكرة مساءلة الدولة عما تحدثه من أضرار بالمواطنين.

بذلك أضحت مسؤولية الدولة لا تتعارض مع السيادة[5]، فبرغم من أن الدولة عمدت إلى تكليل مرافقها بكل أجهزتها الإدارية بما فيها التكوين البشري، وإحاطتهم بضمانات قضائية لتحقيق العدل، وذلك من خلال تبنيها لمشروع إصلاح العدالة، لكي تكون قادرة على التواجد في كل المجالات والارتقاء بالعمل القضائي في أفق حكامته وترشيد تدبيره.

إن الإنسان ملزم باحترام القوانين والخروج عنها هو استثناء، وهذا المبدأ الذي يهم قرينة البراءة قد ترسخ لدى المجتمعات البشرية، بل أكثر من ذلك اكتسب قيمة أخلاقية ولكن كان من الضروري تنصيص عليه في النصوص التشريعية لإضفاء الصفة القانونية عليه وعدم المساس بها ،وأي إخفاق من العدالة دلالة على الظلم وبالتالي ينبغي تعويض كل من كان ضحية خطأ قضائي وهو مبدأ وجد الاهتمام به بين الصكوك الدولية.

فبرجوعنا إلى المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي جاء فيها:

“حينما يكون قد صدر على شخص ما حكم نهائي يدينه بجريمة ثم أبطل هذا الحكم، أو أصدر عفو خاص عنه أساس واقعة جديدة أو حديثة الاكتشاف يحمل الدليل القاطع على وقوع الخطأ القضائي، فإنه يستوجب تعويض الشخص الذي أنزل به العقاب نتيجة تلك الإدانة وذلك وفقاً للقانون مالم يثبت أنه يتحمل كليا أو جزئيا المسؤولية عن عدم إفشاء الواقعة المجهولة في الوقت المناسب”.

كذلك المادة 9 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: ” لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفيا”.

إذا كانت المواثيق الدولية لحقوق الإنسان تحمي حرية الأشخاص، فإنها في نفس الوقت أباحت للقانون الحد منها وتأطيرها، لأسباب تتعلق بالنظام العام. كما ورد في المادة 29 من الإعلام العالمي لحقوق الإنسان، التي نصت على خضوع “الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته للقيود التي يقررها القانون فقط، لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها، ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق في مجتمع ديمقراطي.

كما أن المادة 9 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، التي أقرت حق الفرد في الحرية والسلامة الشخصية، ومنعت اعتقاله تعسفياً، ربطت الحد من حريته بما يفرضه القانون من أحكام وإجراءات وهو ما يعني جواز تقييد الحرية الفردية في الأحوال وبالشروط التي يحددها القانون.

أما لجنة القمة العربية لحقوق الإنسان؛ أكدت في المادة 19 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان على “حق كل متهم تثبت براءته بموجب حكم بات الحق في التعويض عن الأضرار التي لحقت به”.

النقطة الثانية :الخطأ القضائي في مجال الإعتقال الإحتياطي بين حماية الحقوق و ضياعها .

كما نعلم  أن الدعوى العمومية من أخطر الدعاوى وأهمها على الإطلاق، ذلك أنها وسيلة المجتمع للحفاظ على كيانه وبقائه، وله بذلك الحق في عقاب كل فعل من شأنه أن يزعزع إستقراره، و لا يتحقق ذلك إلابصدور حكم جنائي صحيح قانونا، يعلن الحقيقة الواقعية في الإدعاء المعروض على القضاء عبر التطبيق السليم للقانون الجنائي، الذي يعد مجالا لتكريس الضمانات التي وضعت لضمان حسن سير القضاء وتحقيق العدالة وضمان المحاكمة العادلة؛ لكن في المقابل قد تخفق الدولة في هذه المهمة فيصدر القضاء الجنائي إدانة خاطئة تنزل بمقتضاها على البريء عقوبة خصصها القانون للمجرمين.

ولا شيء آخر أكثر حرقة في النفوس من إدانة بريء، حيث يشعر بخيبة أمل تجعله يفقد الثقة في مؤسسات الدولة، ما دام أن المؤسسة الحامية للحقوق والحريات والناطقة بالعدل قد تعدت على حريته وأدانته خطأ، وهذا الأثر الذي يحدثه الحكم الخاطئ في نفوس الكافة لا يتناقض فحسب مع دواعي العدل الإنساني ومتطلباته، بل يكاد يقضي على دور القانون الجنائي في الردع والذي لا يمكن أن يتحقق إلا إذا أنزلت العقوبة على من ارتكب الفعل.[6]

مما لا شك فيه أنه من أبرز مقومات العدالة، التي يمكن أن تجبر لحد ما الضرر الذي لحق المتضرر من إدانة خاطئة أفقدته حريته، هو التعويض عما لحقه من ضرر رغم أن هذا التعويض لا يساوي أي شيء أمام حرية الفرد.

فبعد مسيرة طويلة من الالتزام بقاعدة عدم مسؤولية الدولة عن أعمال السلطة القضائية[7] وعدم السماح بمساءلة مرفق القضاء، بمبررات مختلفة كالسيادة و مبدأ فصل السلط ومبدأ حجية الأحكام، وقوة الشيء المقضي به وعرقلة سير العدالة، اهتدت أغلبية التشريعات والدساتير المعاصرة إلى إقرار حق المتضررين من الأعمال القضائية في المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي نجمت عنها[8].

وقد مضى الدستور المغربي على هَدْيِ المواثيق الدولية، وتبنى الفصل 23 منه المقتضيات الواردة في المادة 9 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وأسند للقانون تحديد أسباب وشروط إلقاء القبض والاعتقال والمتابعة الجنائية للأشخاص، واستفاض القانون في تحديد هذه الشروط والأسباب في التشريعات الجنائية وقانون المسطرة الجنائية على الخصوص.

وقد أسند للنيابة العامة ولقضاة التحقيق سلطة تقدير الاعتقال الاحتياطي، وللمحاكم سلطة النطق بالعقوبات، بما فيها السالبة للحرية، ولذلك فإن أعضاء النيابة العامة وقضاة التحقيق يوجدون على علاقة مستمرة مع تدبير موضوع سلب الحرية الشخصية، عن طريق تدبير الاعتقال الاحتياطي[9].

وبفضل الإصلاح الدستوري الذي عرفته المملكة المغربية لسنة2011،[10] ثم خلق ديناميكية جديدة لأجل تأمين الأخطاء القضائية عامة والأخطاء التي تشوب الخصومة الجنائية خاصة، الراجعة إما لعدم تبصر القاضي الجنائي أو من تحت إشرافه بأمر معين، أو عدم إبلائه العناية اللازمة للمنازعة المعروضة عليه أو تعسفه في استعمال بعض السلطات المخولة له أو غيرها من الأسباب.

فإذا كان الاعتقال الاحتياطي يبدو تدبيراً مشروعاً، يحق لهؤلاء القضاة إيقاعه على الأشخاص المشتبه فيهم أو المتهمين، مما ينأى بقراراتهم عن التعسف وانعدام الشرعية التي تستوجب قيام المسؤولية، فإن فرضية التعسف في إيقاع الاعتقال الاحتياطي،أو الخطأ في اتخاذه عن طريق إهمال مراقبة أسبابه ومبرراته،أو مسطرة إجرائه، تظل واردة.

كما يظل الخطأ القضائي وارداً في سائر الإجراءات وعبر كل مراحل الدعوى القضائية؛ وهو ما دعا الدستور المغربي إلى إقرار مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي، وتخويل المتضرر الحق فيالحصول على تعويض بشأنه من خلال الفصل 122 من الدستور المغربي، الذي جاء فيه  أنه: “يحق لكل من تضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة”.

غير أنه لئن كان لا يوجد خلاف بشأن إمكانية التعويض عن الخطأ القضائي من جهة وعن الإجراءات التعسفية المتخذة في حق الأشخاص خرقاً للقانون من جهة ثانية؛ وكذلك عن التعسف في استعمال الحق من جهة ثالثة؛ فإن تفاصيل تفعيل هذه المبررات تتنازعها الكثير من الآراء خصوصاً وأن القانون لم يعمل بعد  على تحديد أوجه الخطأ القضائي.

إن مهمة القضاء الإداري ليست سهلة بالمرة، وذَلك لأنه مدعو إلى مراعاة موازنتين لهما حساسية قانونية وأمنية بالغة الدقة،حيث يقتضي الأمر مراعاة اختصاص القضاء العادي الذي لا رقابة للقضاء الإداري على قراراتهومن جهة أخرى، مراعاة تأثير قراراته على تحقيق الأمن وحماية النظام العامين من طرف (قضاة التحقيق والنيابة العامة )وهي المهام المخولة لهذا النوع من القضاء بمقتضى الدستور والقانون ذلك أن الأحكام بالتعويض من شأنها أن تؤطر استعمال الاعتقال الاحتياطي من (طرف قضاة التحقيق والنيابة العامة)، الذين قد يعزفون عن استعماله تهيباً من تحميل الدولة المسؤولية في حالات قد يكون فيها ضروريا لحماية الأمن والنظام العام أو لحسن سير العدالة.

ولذلك فإن القضاء الإداري، في تعامله مع موضوع التعويض عن أخطاء النيابة العامة و قضاء التحقيق مطالب باستحضار هذه المعطيات، من أجل توفير المساحة الضرورية للسلطة التقديرية لقضاة النيابة العامة وقضاة التحقيق، حتى لا يتضرر أمن المواطنين وسلامة ممتلكاتهم وأخلاقهم من جراء عدم استعمال تدبير الاعتقال في الحالات الضرورية[11].

بات من المؤكد أن هذه النقلة النوعية جاءت لأجل القطع مع الوضع السابق الذي كان لا يتفق مع قواعد العدالة، ومسايرة للمنهج الحقوقي الذي يعرفه المغرب محاولة لاسترجاع الثقة في مرفق القضاء، حيث كرس الدستور الجديد خضوع كل المرافق العمومية لمعاير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية[12] حسب مقتضيات الفصل 154 منه.

من المسلم به أن مبدأ عدم مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي، هو المعمول به في المغرب لوقت طويل إذ عرف استثناءين تشريعيين منضمين بشكل دقيق، هما :

  • مراجعة الأحكام المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية.
  • مخاصمة القضاة المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية.

حيث أن مخاصمة القضاة تستهدف إثارة المسؤولية الشخصية للقاضي، في حالة ارتكابه غشا أو تدليسا أو غدرا أو إنكار العدالة، وتتدخل الدولة لأداء ما حكم به على القاضي من تعويضات.

أما مسطرة المراجعة فتقضي بمسؤولية الدولة مباشرة بصرف النظر عن مرتكب الخطأ حسب الحالات التي حصرها المشرع في قانون المسطرة الجنائية، وأمام صعوبة إثارة مسؤولية المرفق العام القضائي في ظل هذه الوضعية، وتكريسا لمبادئ المحاكمة العادلة، وصيانة حقوق الأفراد، ثم التنصيص على أحقية التعويض عن الخطأ القضائي من خلال الدستور الجديد للمملكة المغربية في فصله 122.

لكن رغم التنصيص الدستوري على مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي، فإن ارتباط الخصومة الجنائية المباشرة بحقوق وحريات الأفراد، يطرح نقاشات مهمة أساسها ركن الخطأ الذي ينبغي التوسع في تفسيره مراعيا حقوق المتقاضين التي ارتقت إلى مصاف القواعد الدستورية من جهة، والذي يتعين تقييده والتشدد في إقرار ضوابطه، ضمانا لحسن سير مرفق القضاء واحتراما لخصوصيته ودقة وصعوبة الأعمال التي يقوم بها من جهة أخرى،فقد يصدر حكم من القضاة خاطئ بإدانة متهم وقد يكون الحكم نهائي حائز لقوة الشيء المقضي به، وقد يصل هذا الحكم للإعدام ثم يتضح بعد ذلك أن المحكوم بريء مما نسب إليه، وكذلك قد تقوم النيابة العامة بإلقاء القبض على احد الأفراد وتفتيش منازلهم واعتقالهم احتياطيا من طرف قاضي التحقيق، وتحال الدعوى على هيئة الحكم ثم يصدر بعدها قرار بالبراءة أو أمر بحفظ الملف لانعدام وسائل الإثبات، فتلوث سمعتهم ويتم المس بمركزهم الاعتباري والمالي[13].

ويلاحظ على هذا المستوى أن كثيرا من المواطنين لا يعتبرون العدالة فعالة إلا إذا تم اعتقال خصومهم فورا، ولذلك تقابل قرارات النيابة العامة بالمتابعة في حالة سراح بتذمر المشتكين ومنهم من يعتبر ذلك مؤشرا على عدم نجاعة العدالة أو انحيازها.

فلا يخفى أن تقدير سلامة قرار النيابة العامة بالاعتقال الاحتياطي، لا يرتبط بمآل الحكم الصادر عن المعتقل بالبراءة، ما دام أن قرار الاعتقال تم وفقا للضوابط القانونية المنظمة له ذلك أنه لئن كانت النيابة العامة مسؤولة عن التقيد بالضوابط القانونية التي تؤطر سلطتها في الاعتقال، فإن نقاشاً طرح حول مدى إمكانية إثارة مسؤولية الدولة عن أعمال قضاتها، في الحالة التي ينتهي فيها الاعتقال بحكم بالبراءة، والحال أن تقييم قرار النيابة العامة بالاعتقال لا يرتبط بمآل الدعوى لأنه يتم لأسباب أخرى، ليست كلها تتعلق بقيمة وسائل الإثبات المتوفرة في الدعوى، كانعدام ضمانات الحضور والخطورة على النظام العام أو على سلامة الأشخاص أو الأموال'(المادتان 47 و74 من ق.م.ج).

كما أنه في الحالات التي يستند فيها الاعتقال الاحتياطي إلى حالة التلبس، أو لوجود قرائن إثبات كافية عن ارتكاب الجريمة، فإن تقدير قيمة وسائل الإثبات يرجع للمحاكم وليس للنيابة العامة.
أو لقاضي التحقيق اللذين يستندان إليها للإحالة، يضاف إلى ذلك أن مقتضيات قانون المسطرةالجنائية لا تسمح للوكلاء العامين للملك بإمكانية المتابعة في سراح، حينما يعتبرون القضايا الجنائية جاهزة للحكم ولا تتطلب تحقيقاً، بحيث يلزمون باتخاذ تدبير الاعتقال الاحتياطي، ولا خيار لهم في ذلك المادة 73 ق.م.ج.

وعلى هذا الأساس فالقانون يحمي قضاة النيابة العامة، من فتح باب المساءلة عن الأعمال المتعلقة بالتكييف والملائمة والحفظ وهو الطرح الذي كرسه القضاء الإداري في العديد من الأحكام التي نورد منها حكم المحكمة الإدارية بأكادير حيث قضت ” أن من صميم عمل النيابة العامة تلقي الشكايات المتعلقة بالدعوى العمومية ومتابعتها أو حفظها في إطار السلطة التقديرية المخولة لها،ومادام القرار المطعون فيه مرتبط باختصاص وكيل الملك في مدى تحريك الدعوى العمومية فهو عمل قضائي بطبيعته يخرج عن ولاية القضاء الإداري.

فإذا كان مرفق القضاء ملجأ البعض بعد ضياع حقوقهم أو تهديدها، فيجب ألا يقيد حريات البعض الأخر بسبب سوء التدبير والتسيير الذي قد يتسبب فيه ضباط الشرطة القضائية أمام تقصير النيابة العامة، لذلك لابد من حماية حرية المواطنين والمواطنات من سوء تقديم خدمات مرفق العدالة.

[1]-الظهيرالشريف 9 رمضان 1331 (12 أغسطس1913)المتعلق بقانون الالتزامات و العقود.

[2]– فيما يخص الفقه المغربي الذي لم يتطرق للخطأ القضائي، نظرا لحداثة المفهوم ، فلم نلمس آي تعريف صادر عن فقهاء القانون و إنما باحثين في المجال الذين عرفوا المفهوم بكونه:«نوع من التقصير من طرف أعضاء السلطة القضائية، خلال مراحل سير الدعوى .قد يؤدي إلى تغيير مجرى الحقيقة و الإضرار بأحد المتقاضين إما بسلب الحرية أو ضياع الحقوق المالية أو هما معاٌ.”

.

[3]-سليمان حاج عزام، “مدى مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي”. مذكرة مقدمة بكلية الحقوق و العلوم السياسية قسم العلوم القانونية، فرع القانون العام، جامعة محمد خيضر ـ بسكرةـ. ــ الجزائرــ. 10 نوفمبر- 2005. ص3

[4]-كوثر بنداحي،“مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي”، بحث ماستر القانون المدني. كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية. جامعة ابن زهر أكادير. المغرب ـ ص1

[5]-رحماني غنية، مسؤولية الدولة عن التعويض عن الخطأ القضائي. مذكرة لنيل شهادة ماستر أكاديمي الحقوق و العلوم السياسية ـ القانون الإداري ـ  جامعة قاصدي مرباح، ورقلة كلية الحقوق و العلوم السياسية. سنة 2013/2014.ص2

[6]-سهام الماخوخيالبوكيلي، مسؤولية الدولة عن أخطاء القضاء، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الحقوق، ظهر المهراز، فاس، السنة الجامعية 2014/2015، ص 254.

[7]-محمد الأعرج، مسؤولية الدولة عن أعمال السلطة القضائية، تعليق على حكم المحكمة الإدارية باكادير، عدد 1085، الصادر بتاريخ 15/01/1998، شركة سوس فيزيون، ضد وزير العدل، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية العدد 60، يناير، فبراير 2005، ص 168.

10- رشيد زيان، المسؤولية عن الأخطاء القضائية، سلسلة “المعارف القانونية والقضائية”، منشورات مجلة الحقوق، الإصدار رقم 57-2018،  طبعة 2018، ص1.

12-كلمة السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ، رئيس النيابة العامة بمناسبة الجلسة الافتتاحية للندوة العلمية حول موضوع :الخطأ القضائي في مجال الاعتقال الاحتياطي” ، يوم 12 دجنبر 2019 بمراكش.
.

[12]– عبد الحق منقار، مسؤولية الدولة عن الأخطاء القضائية في المادة الجنائية، بحث نهاية التدريب بالمعهد العالي للقضاء ص12،

[13]-عبد الحق منقار، مسؤولية الدولة عن الأخطاء القضائية في المادة الجنائية، م.س، ص13

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *