"قلائد العقيان ، في عجائب المارستان" بقلم الاستاذ عبد الإله مالك   - الحدث 24- Elhadat24 |جريدة الكترونية مغربية مستقلة.

“قلائد العقيان ، في عجائب المارستان” بقلم الاستاذ عبد الإله مالك  

كتبه كتب في 2 يناير 2021 - 7:39 م
مشاركة

 

مقــــــــــــامــــــــــــــة رقم3:

بعدما وصلت إلى ثغر سلا الميمون، بلد المجاهد العياشي ، و الأشراف من آل حسون، كان في نفسي كرب عظيم ، من فرط ما لحقني في الحافلة من عذاب أليم ، و أنا أذكر زمانا لم تكن فيه من وسيلة نقل إلا البغل و الحمار ، تركبهما و أنت في مأمن من الأشرار ، كما هو الشأن في الحافلة ، التي رأيت فيها من السافلة ، ما يشيب لهوله الولدان ، و قلما اجتمع في زمان أو مكان .

و قد عن لي أن أتفقد صديقا ممن شط بهم المزار ، و فصل بيني و بينهم نؤى الدار، فلما وصلت إلى المنزل المعهود ، و جدته مزدانا بالبنود ، خيمت عليه الأفراح ، و ازدان بابه بالصبايا الملاح ، المتألقات كإشراقة الصباح.

و فجأة إذا بالصديق يطل من الباب يعلو محياه الترحاب فقال : مرحبا بقدوم أعز الأصحاب، مرحى بمن دانت له قطوف الإبداع، و يجري اليراع في يمينه مجرى الشراع.

كيف حالك يا ابن هشام، و ماذا فعلت بك الأيام، و لكن مالي أراك حزينا، كأنك تحمل هما دفينا، آ مريضا فأطلب نطاسيا من الأطباء، أم ظمآن فأطلب لك عصيرا يزري بفواكه دمشق الفيحاء !

فقلت لا هذا ولا ذاك يا أبا الفضل وإنما أو هنني وعثاء السفر. و صدق من قال : إن السفر قطعة من سقر.

ودلفت إلى الدار، و ماهي  إلا ساعة من زمان، حتى بسط الخوان وقد ضم أطيب الألوان، فخذ ما شئت من لحم مشوي، ودجاج مقلي، أو ثقوه فأحسنوا وثاقه ومرقوه فأجادوا إمراقه، فكان منظره آية للناظرين، ونعمة في بطون الجائعين، وقد ازدان ذلك بتقديم مشروب على زجاجته صورة لقلاق، وأكثروا منه لحد الإغداق. والحق أنني رغبت عنه لكثرة ما يدعو له صندوق العجب، فلطالما أبصرت من خلاله متخنثة ممن طالت لديهم الشعور، منافسين بذلك ربات الخدور، أبصرتهم يدعون لصفائه، ويتغنون بنقائه، زاعمين أنه أرق من السلسبيل و أنعش من الزنجبيل، و ازدادت نفسي منه نفورا بعدما رأيت  إمعة يدعى مسعود، يحاكي سمته سمت القرود، و هو يرقص من شربه و لا رقص ذوات القدود.

لذلك أمسكت عن شربه لعلمي أن صندوق العجب، قادر على امتداح المبيت في سجن عين قادوس، ووحده الذي يختلط عليه النحل بالناموس.

إلا أن صديقي انتبه إلى أمري قائلا: دونك يا ابن هشام شرابا يزري بالرحيق، اجتمع فيه من الأسرار كل واضح و دقيق، تعالى يا غلام و اكرم عمك ابن هشام، ابسط له في المقام، و ناوله زجاجة لم تفتض منها الأختام، عساها تكون لشبعه هاضما، و تخرج بطنه من الوليمة سالما، فلا أراه إلا أسرف في الطعام، و أكثر من أكل الفالوذج و الحمام، و ما اجتمع اللعينان  في بطن إلا وفعلا بها ما يفعل ” المجاهدون ” في النصارى، وسوط الوالي في ظهور السكارى. ولم أفتح  الزجاجة إلا بعد لأي، حتى كادت تجرح يدي، و تلك من عيوب المشروب اللعين، الذي تبدو سدادته كالإسفين، و طالما أدمت أيادي الشاربين.

و الحق أنني شربت منه فأسرفت في الشراب ، فقد كانت برودته تزري بالمياه العذاب ، و بعد مرور ساعة من الزمان شعرت بمغص في الأمعاء ، و قشعريرة و ما كان الفصل شتاء ، فقلت لن تكون هذه الأعراض إلا من ذاك البلاء.

و فجأة إذا بالغلام يرفع عقيرته بالنداء : يا أبا الفضل، أدرك عمنا ابن هشام ، فقد حل به السقام و سمعنا له خوارا كالأنعام، و لعل ذلك راجع لإسرافه في الطعام ، فقد انقض عليه انقضاض الصقور، حتى وقع في المحظور.

فقال أبو الفضل لا بأس فسنعرضك على الطبيب بمصلحة المستعجلات، فإن المرضى يغادرونها أحياء يرزقون ، حتى و إن أتوها و هم على مشارف المنون .

فقلت: و ما هي هذه المستعجلات يرحمك الله؟ قال: إنها مارستان اجتمع فيه من الأساة، ما لم تر نظيرا لهم في بغداد و حماة، أجادوا فنون التطبيب، و بلغوا فيها الشأو العجيب، يأتيهم المرء مريضا فيشافى، و سقيما فيعافى ، و لديهم من الأقراص و الحقن، ما يزري بأعشاب فارس و اليمن. و أحيانا لا يحتاجون
إلى تلك الأقراص، التي يستسيغها الذوق و لا تؤلم في الأضراس، فقد يشفى المرء بما يخصونه به من حسن الاستقبال، عند دخوله أو عند المآل، خصوصا إذا تعلق الأمر بوعكة غير ذات بال، فهم قوم لا يتخلون عن الابتسام ، رغم ما يعالجونه من أسقام.

أما الممرضات ، و ما أدراك ما الممرضات ، لو رأيتهن يتألقن كالمشكاة، و هن يحدثنك بصوت رقيق، لاضطرم في قلبك من الجوى حريق . و لو أبصرتهن يسعين من قسم الإنعاش إلى مكتب الإرشاد، و من مكتب الإرشاد إلى مصلحة العتاد، يحملن ما تيسر من أوراق، لرأيت ما لم تر رغم ضربك في الآفاق، و لفغرت فاك في جمالهن، و سبحت باسم خالقهن.

ومن  فرط ما يتصفن به من رقة و أدب، و لطف و أرب، يسمين بملائكة الرحمة. أما هواء المستشفى فإنه أرق من النسيم العليل، لاسيما إذا ازدان بأنفاس ممرضة ذات خد أسيل وطرف كحيل، و عددهن في المستشفى كثير.

و عندما بلغ أبو الفضل هذا المقام ، من الإطناب في الكلام ، كان ألمي قد بلغ منتهاه، و جاوز صبري مداه، فقلت : هيا لنرى مصلحة المستعجلات ، و عسى أن يكون أمرها كما ذكرت ، و نعتها مثل ما وصفت.

و خرجنا من محروسة سلا ، التي مسني فيها ذلك البلا، مكثرين سيارة أجرة كبيرة، بما لم يترك في وفاضي كبيرة و لا صغيرة ، إذ أورد صاحبها حسابا أخضعه لأتعاب الليل و النهار ، حتى أوقعنـا في الغلط ، فكتب علينا بذلك أياما قضيناها في ” الزلط ” .

ثم انطلقت بنا السيارة تسابق الرياح ، و معالم الطريق تبدو أمامها كالأشباح ، ترفعها أنجاد ، و تخفضها وهاد، تارة تستقيم الطريق فتمشي رخاء ، و أخرى تكثر فيها الحفر فإذا هي كالناقة العشواء و صاحبها يلعن البرية ، و يصب جامة غضبه على البلدية ، التي حمله اهمالها تلك الرزية ، التي تهلك السيارات ، و تلحق بها الآفات . و قد خاطبني قائلا أتدري أيها الشيخ الجليل ما هو الأصل في كلمة بلدية ؟

” اعلم عافاك الله ” إنه اسم مشتق من البلية و الإيذاء ، فهي إن شئت البلاء ، و إن شئت الإيذاء.

فقلت إن هذا لخطب يطم ، و أمر لن يتم ، و أعتقد أن الشيخ الذي وصفته بالجليل ، لن يبلغ المارستان حتى يقبضه عزرائيل.

ووصلنا إلى أجمة تكاثرت فيها الأشجار، و بناية تحول ليلها إلى نهار ، لفرط ما اشتعل فيها من أنوار ، فإذا بأبي الفضل يقول ، دونك المارستان الذي قل مثيله في البلدان . فذلفنا إليه بعدما و دعنا السائــــق الثرثار، و أنا مما أرى في انبهار، ووقفت في الصف الطويل، بعدما فوضت أمري إلى العلي الجليل.

كان المرضى مطروحين بالعشرات ، يتعالى أنينهم  و الآهات و ممرضة حيزبون، منظرها يستعجل المنون تصيح  في المرضى :

ألم يسول لكم وسواسكم إلا أن تمرضوا في هذه الليلة الليلاء، التي عز فيها الطبيب و قل الدواء. رحم الله زمانا كانت الأوجاع تداوى فيه بالشيح و الزعفران ، و الأمعاء تعالج بقشور الرمان.

فالتفتت إلى أبي  الفضل قائلا: لو كانت هذه ملاك رحمة كما ذكرت، فلا أدري كيف تكون ملائكة العذاب، الذين أعدهم الله ليوم الحساب. فلا أظن عجوزك هذه التي جمعت أسوء النعوت، إلا هاربة من عصر هاروت وماروت، أو على الأقل من زمن سليمان وبلقيس يوم كان الإنس يختلطون بالأباليس.

و فجأة إذا بطفل كبير، أو لعله رجل صغير ، يدخل القاعة، فقالت العجوز : تقدم عند الطبيب أيها الشيخ الجبان، يا سليط اللسان، و إذا أطلقته مرة أخرى فسوف نقطعه و لنا اجران، فلا شك أنــك مصــــاب بالإسهال ، في بطنك و في المقال، و من يرتضي الكشف عليك يا فرقة الأحباب، و نعيق الغراب و أنت من يحق فيك قول الشاعر :

يتمنى عيسى نزول عيسى             عساه من دائه يريح

و ينسى أن موضع الداء منه           مكان لا يرتضي مسحه المسيح

فارتج علي حينئذ و أدركت أن العجوز رغم ضربها في الزمان ، لا تزال ذات آذان، و قد يكون إنشادها دليلا على أنها قد شاخت مع الندمان . فأردت أن أفر بجلدي مخافة السقوط في محظور ، فإذا بالطبيب يخاطبني : ادخل أيها الشيخ المذعور ،اخلع نعليك ، ووسع ما بين رجليك، حتى نولج ميزان الحرارة ،  فإن الحمى قد بدت عليك منها أمارة ، فلعلك مصاب بضربة شمس في الظهيرة، كان من آثارها هذه القشعريرة.

فأسلمت أمري إلى الله مستعملا الميزان، و أنا أتوارى عن عيون الشامتات من النسوان ، و قد ابى اللعين إلا أن ينكسر في تلك الأثناء ، ليزيدنا هما على بلاء، فإذا بالعجوز تصيح لن تغادر المارستان ، حتى تؤدي ثمن الميزان، و إلا سلمناك لأهل الحراسة. و لم أفلت منها إلا بعدما وعدها أبو الفضل بأنه سيؤدى الثمن حالما ينتهي الفحص ، و نخرج من ذلك النحس.

و في تلك الأثناء قال لي الطبيب عليك أيها الشيخ بالحمية فإنها خير دواء ، كما أن البطنة هــي أصل الداء . ابتعد عن الشحوم و الأدسام، و كل ما قل و أفاد من الطعام ، و أكثر من أكل التفاح ، و الأجبان في الأصباح، لا تقتر على نفسك في شرب ماء ” الفيشي و الفيتال ” ، فسوف تجد نفسك في أحسن حال.

فقلت : ذلك أملي في الدار الآخرة ، يا حضرة الطبيب ، و النطاسي العجيب ، هذا إن كتبت لي الجنة .

ثم أضاف قائلا :  و ابتعد أيها الشيخ السليط ، عن أكل اللفت و القرنبيط، فإنهما أصل الغازات التي صنعت في بطنك هذا الخليط . و ما هي إلا لحظة من اللحظات ، فإذا بالعجوز تحمل شوكة لا كالشوكات ، كأنها رمح من رماح القنا ، قد علاها الصدأ و جانبها السنا ، كما لو فازت بطريدة من الطرائد ، أو وحش في الفلاة شارد ، فقلت في نفسي لو انفردت بي الشقية لأذاقتني نكالا، و جنيت بما سمعت مني وبالا ، الفرار الفرار ، فلا ضعف الآن و لا قوة غدا. و كانت النافذة قريبة مني ببضعة أمتار ، فقفزت منها كالفارس الكرار. و قد تطلعت إلي الأنظار ، و العجوز تنادي الدواء الدواء ، أمسكوا اللعين فإنه مصاب بالتهاب في الأمعاء .

فانطلقت أسابق الريح ، رافعا عقيرتي بصوت فصيح، لأن أتداوى بالدباغ و الشيح، خير من أن آتيكم سليما و أذهب بقعر جريح ، لعنتم بلغة يعرب وموسى و المسيح.

و لم أنتبه إلى أنني نسيت سراويلي إلا بعد أن غادرت ذلك البطوار فحمدت ربي الغفار الذي نجاني من طغمة الأشرار ، فآليت على نفسي أن لا أذهب إلى المستعجلات ، ولو أشرفت على الممات ، و أن لا أشرب من زجاجة اللقلاق حتى لو استقيت من دجلة في العراق .

تعليقات الزوار ( 3 )

  1. قصة ترفيهية لا تخلو من النصح والعبر بان يكون المرء حدرا من المظاهر لانها كثيرا ما تخفي من المفاجات ما يصدم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *