النـــاجون...للروائية الزهرة رميج - الحدث 24- Elhadat24 |جريدة الكترونية مغربية مستقلة.

النـــاجون…للروائية الزهرة رميج

كتبه كتب في 21 أكتوبر 2020 - 10:52 ص
مشاركة

قراءة محمد موسي/ سلا

كثيرا ما يجتاحنا، نحن –جيل السبعينيات- الحنين إلى زمن كانت فيه الدراسة مدخلا رئيسا لتعلم الخوض في تضاريس الحياة. فكان انتقالنا من مرحلة دراسية إلى التي تليها، إعلانا للترقي نحو حياة جديدة يبز فيها الأعلى الأقل مستوىدراسي. مرحلة كان شعارها “المعرفة والحب والسفر هي المبادئ المثلى للحياة”. أما الشعور بها فهو إثبات للذات وتأكيد للقدرات. لذلك لم نكن مولعين كما هو شأن أجيال اليوم بتسقيف المعدلات لتحصيل مقعد بإحدى مؤسسات الاستقبال المحدود، إنما كان همنا استكمال مسار التحصيل وولوج الجامعة، أو الالتحاق بمراكز تكوين الأساتذة، وتأجيل التحصيل الجامعي، بالنسبة لمن كانهمه الخروج من دائرة الفقر مبكرا. لم يكن يعنينا وهم الفصل بين تخصص علمي وآخر أدبي أو حقوقي. كانت الدراسة وكانت المشاركة في الساحة النضالية توحد جميع التخصصات والأطياف والانتماءات الاجتماعية. هذا ما ورثناه عن ثقافة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ومن الأجيال المؤسسةلهذا التنظيم الطلابي العتيد ومنها تعلمنا أن “الغاية ثابتة والمجهود متغير”.
هذه النماذج هم أبطال “الناجون”، لمبدعتها المغربية ذة.زهرة رميج. وهي رواية بنفس ملحمي تغطي 392صفحة من الحجم المتوسط، تتوزعها ثلاثة أقسام مرفقة بتنويه وإهداء.ولدار فضاءات بعمان شرف الفوز بطبعها وتوزيعها،سنة2012.
أحداث الرواية تنطلق من فضاءات الحرم الجامعي “ظهر المهراز” بفاس، حيث الثابت فيها هو الحلم ببناء نظام اشتراكي، تسوده العدالة الاجتماعية، على أنقاض نظام مخزني محافظ وعتيق يعتني بهندامه العصري ويفتك بكل جديد معارض.
وكانت الجامعة وقتها منبتا للنخب الملتزمة بقضايا المجتمع المغربي يوحدها الإيمان بقيم المساواة والخير والجمال، لكن تفاصيل الحياة اليومية كانت تكسر القاعدة، فتحيل الهموم الذاتية مركزاللاهتماممن حين لآخر، ما لم تغط على طرفي الصراع الرئيسي: الطليعة الطلابية المناضلة بتطلعاتها التحررية وبتنظيمها النقابي الموحد، مع ما يتفاعل داخله من رؤى سياسية مختلفة من جهة، والنظام المخزني بآلياته القمعية والتجسسية من جهة أخرى. غير أن مطرقة النظام كانت أقوى وأشد وقعا على النواة الصلبة لقوى التنوير والتجديد، ممن تجرعوا مرارة الحرمان، وبإرادة تفاؤلية تعلموا كيف يستمرئون النصف المليء من الكأس. هكذا هوت مطرقة النظام على طليعة النضال الطلابي فتشتت الجمع المتآلف حول الأفكار الكبرى التي كانت تهتز لها أركان ساحة “هوشي منه”. فاختفى البعض عن الأنظار وانتفى من تيسر له شروط النفي، وعانت البقية من ويلات الاعتقال، لكن الصمود المعضود بدعم الجمعيات الحقوقية وعائلة المعتقلين والمنظمات الدولية شكلت محك الانتصار على السجن والسجان.
تسجل الرواية مواقف بطولية للمرأة المناضلة زمن الاعتقال وملحقاته، أما كانت، أختا أو رفيقة درب، فهي الحاضنة وهي الوسيط بين المناضلين وهي المموهة لترصد عيون المخابرات. وبمرارة تسجل معاناتها من عدم وفاء الشباب التقدميين في علاقتهم بالمرأة، إذ سرعان ما ينكشف نزوعهم الذكوري معيقا لبناء أسري متحرر.هكذا سيخلف الوسط النضالي سجلا أسود من العلاقات الرفاقية لم تصمد أمام الطلاق. وتبوي الرواية المرض مكانة خاصة في بناء الرواية، إذ من بين ثناياالمعاناة تنبعث العلاقةبين طرفين عانيا من تجربة حب رفاقي أينع، في السابق، زواجا فاشلا، أومؤجلا.
وبما أن الأحلام بطبيعتها متطرفة فهي لا ترضى بالجزء، لذلك كان ثمن تحقيقها باهضا. لكن سرعان ما تعدل الرواية من توجه الأحداث، مهيئة شروطا موضوعية تحويلها من طوباوية الأحلام إلى واقعية الأفعال.
كان عامل السن هو أول شرط تم تهييئه بعناية. حين تنتهي الحياة المهنية ويبدأ العمر الذهبي. وتكون المناسبة هي احتفال بطلة الرواية بعيد ميلادها الستين. عيدلمة رفاق الأمس ليلملموا خيوط الزمن في حاضر يشد الماضي للمستقبل، بإعلان كل واحد منهم عن ميلاد مشروع جديد يؤسس لنظرة جديدة في بناء الوطن، بشهادةجيل جديد يحلم بالتنمية خارج جاذبية حلم الآباء الطوباوي. لينتهي المشهد بانخراط الجميع في احتفالية، على نغمات أغنية “الحنة “لفرقة “فناير”. موقعين عن التزام جماعي لتحقيق سفر التشييد لمغرب جديد ينطلق من القلب (الدار البيضاء) تلبية لدعوة رفيقهم العائد من منفاه بفرنسا، بتنظيم زيارة جماعية إلى الجنوب المغربي، تأكيدا على وحدة المغرب، وقناعةبتنوعه.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *