نسبية الملل... - Elhadat24 |

نسبية الملل…

كتبه كتب في 23 سبتمبر 2020 - 1:37 م
مشاركة

محمد_زروال
يردد الكثير من الأصدقاء في منشوراتهم ودردشاتهم كلمة “الملل” التي ترتبط لديهم بهذه الظرفية الاستنائية التي نمر منها، بسبب حتمية الجلوس في المنازل، في إطار تدابير الوقاية من فيروس كورونا. الغريب في الأمر أن المتحدثين عن الملل، أشخاص لديهم هواتف نقالة ذكية، وشاشات تلفزيونية من الحجم الكبير، وربط دائم بالأنترنت، واشتراك شهري في منصات رقمية عديدة، ومكتبات ورقية ورقمية، فهل الأخر في حياتنا نقيض الجحيم مثلما يرى سارتر؟
يظهر أن الملل إحساس نسبي كغيره من الأحاسيس المتعلقة بنفسية الإنسان وعلاقته بمحيطه، وهكذا مثلا يبدو مناخ المغرب حارا بالنسبة للسكندنافيين، لكنه بارد بالنسبة لسكان التشاد، نفس الشعور بالنسبة للملل، فملاك الفيلات والإقامات الفاخرة بمسابيحها وأكسسوارتها وما يتوفر بها من مأكولات ومشروبات ” الحلال” و” الحرام” منها ، بدورهم يشكون هذه الأيام من الملل، هؤلاء لا يشغل بالهم حسابهم البنكي الفارغ، أو ثلاجتهم الفارغة، لكنهم يشعرون بالملل يحتاجون إلى جولة في الأسواق الممتازة، وفنجان قهوة سوداء، بنظارات شمسية، تحجب حركة أعينهم في مراقبة المارة، يتشوقون لكأس عصير أو نبيذ بارد أو قنينات من الجعة تشرب على مهل، يحتاجون إلى نقيضهم الطبقي، فموقعهم يتحدد من خلال موقع الآخرين من متسولين، وماسحي الأحذية وعامة القوم، حين يجوبون الشوارع ويقفون على واجهات المحلات الترفيهية، ليتأملوا رغد العيش في عيون وسلوكات الأغنياؤ، و يقف اشخاص ذوو بنية جسمانية قوية حاجزا بين الموقعين.
حين فتحنا أعيننا منتصف الثمانينيات في عمق الأطلس الكبير، لم يكن في المنزل، مذياع ولا تلفاز ولا جريدة، أسر قليلة كانت بحوزتها آلة لتشغيل الكاسيط من نوع ” صانيو” يأتي بها الجنود من مدن الجنوب حسب فهمنا أنذاك، وقد يكون خاطئا، وبعدها انتشرت آلات لشركات أخرى، كانت مصدرا للتباهي بين شبان الدوار الذين يعودون صيفا، لقضاء عطلة سنوية بين أهاليهم، لم يكن هناك ملل مثلما نحسه اليوم، الرجال يقضون وقت فراغهم في الدردشة ولعب الورق، على شكل مجموعات، والفتيان يغيبون في البساتين والأودية، و ينتظرون مساءات القرية للمرور أمام الفتيات المصطفات في أبواب المنازل في مايشبه استعراضا للمؤهلات، ولهذا وجد من الشباب من يعكر تلك الأجواء باختلاق النزاعات أو رمي الرماد من أسطح المنازل على الفتيات والنساء. لازلت اتذكر السنة الأخيرة ربما لي في القرية، حين اندلعت حرب الخليج الثانية، وكنا نستمع إلى محطة إذاعية لنعرف مجريات الأمور. وقبل أيام شاهدت فيلما ماليا، يصور حياة المزارعين هناك، حيث لازال التجمع حول النار ليلا سبيلا للدردشة والحوار، وعقد الاجتماعات العائلية، ورغم ذلك، تظهر الحياة عادية، ولا وجود لمن يحتج بدعوى الملل، عكس ما نعيشه اليوم، أشياء كثيرة توفرت، باستطاعتنا أن نستغلها ونملأ الوقت بما يفيد وينفع، لكن كون الملل في حقيقة الأمر نسبيا، يحول دون ذلك، فما يشعرك اليوم بالملل، يبدو للأخر جنة، وما يجعلك تعتقد أنه ذروة الملل، تجد الإنسان فيه، غير مبال وغير مهتم، فأولوياته لا تتعلق بعدد المصابين بفيروس كورونا، وعدد وفياته، إنه منشغل بقوت يوم يقي بطون أبنائه من الجوع، ليضع رأسه على وسادته في انتظار يوم جديد، ومحنة جديدة.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *