مجرد كلام

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

الحدث24:بقلم محمد شدادي
لم أكن أتصور وأنا بعد طفل صغير أردد النص القرائي: “مجرد كلام”، أن يكون للكاتب كل هذه الأبعاد، وأن تشمل قصته البسيطة كل هذه المعاني الكبيرة، والرموز الخفية! وأن تنطبق أحداثها حول الأرانب والفلاح على نماذج عديدة بمجتمعنا اليوم.

تحكي القصة عن أرانب صغار كانوا يسكنون مع أمهم بجحر تحت أرض تعود ملكيتها لفلاح خامل مهمل، يزورها بين الفينة والأخرى، ثم يتكلم كلاما كثيرا، وبصوت جهوري عن استصلاحها وقلب تربتها، وغرسها، ثم يعزم على العودة في الصباح الموالي لمباشرة ذلك… وهو ما كان يقلق راحة الصغار، ويقظ مضجعهم، فيتحدثون إلى أمهم ـ الحاضرة معهم ـ بضرورة الرحيل قبل حلول الغد، وقلب الأرض. فكانت تجيبهم في كل مرة مطمئنة البال، مرتاحة الخاطر، بكون ما قاله الفلاح لا يعدو أن يكون “مجرد كلام”، وأن الذي يتحدث كثيرا، لا يفعل شيئا! وتمضي الأيام والشهور، وتبقى الأرض على حالها جرداء، مليئة بالأشواك. وتصدُقُ حكمة الأرنب حول الرجل الذي ظل يتردد طويلا على أرضه، دون أن تمتد إليها يد عنايته.

نفس الحكمة اليوم تنطبق على صور نمطية عديدة بمجتمعـنا: حيث أنه كلما كان شخص ما كثير الكلام، كثير الوعود، كلما كان قليل الفعل، بعيدا عن التطبيق والإنجاز. فالعربة لا تصدر ضجيجا وصخبا أكبر وأصواتا مرتفعة، إلا حينما تكون فارغة.

فعندما يطل علينا مسؤول كبير، بحجم وزير، ويخطب أمام جمع غفير (بمدينة المنزل) ـ بعد علمه بالغياب التام للمرافق الرياضية بالمدينة ـ واعدا بإنشاء خمسة ملاعب دفعة واحدة، ثم يمضي عام ونيف، ولا يجد الشباب إلا فضاء المقبرة لممارسة كرة القدم! ولا يفلح المسؤول حتى في إنجاز ملعب واحد! فاعلم أن ما قاله لا يعدو أن يكون ” مجرد كلام” أما الواقع فشيء آخر يختلف تماما عن كل الأقوال والوعود!

وحينما يَعِدُ أكبر مسؤول عن صحة المواطنين بالإقليم (صفرو) ـ بعد وقوفه على الوضع المتردي للقطاع ـ بتدشين مستعجلات القرب بالمركز الصحي المنزل، وبتوفير طبيب رئيسي ثانِِ لتجاوز مشكل الاكتظاظ. ثم يمضي عام كامل، ولا يستفيد المواطنون لا من مستعجلات القرب، ولا من مستعجلات البعد؛ وعوض توفير طبيب ثانٍٍ يفشل حتى في إجبار الطبيبة الوحيدة على التزام مواعيد العمل! أي أن كل الكلام الكبير الذي نطق به لا يعدو أن يكون مجرد كلام!

وفي الوقت الذي يتحدث فيه شخص محسوب على الصحافة عن منجزات المجلس البلدي بالمنزل، ويتشدق في الكلام عن منجزات غير مسبوقة لرئيس المجلس البلدي، في الوقت الذي تعاني فيه أحياء ومرافق المدينة من إهمال شنيع وغير مسبوق،وتحتل الأوحال عامة طرقها، ولا تقتصر التنمية إلا على شق بعض الطرق الصغيرة نحو منزل الرئيس، ومنازل بعض الأعضاء! فاعلم أن ما كتبه هذا الشخص لا يعدو أن يكون “مجرد كلام”!

وعندما يكثر الكلام عن ضرورة إخراج تصميم تهيئة لمدينة المنزل للوجود في أقرب الآجال؛ فاعلم أن ذلك لن يتم إلا في أبعد الآجال!

حكاية الأرنب وصغارها لا تنتهي عند الفلاح المهمل، بل إن الأرض تنتقل ملكيتها إلى فلاح آخر، يتفقدها ذات يوم، ويكتفي بمراقبتها دون نطق كلمة واحدة. وبعد انصرافه تحس الأرنب بقلق شديد عكس صغارها، وتأمرهم ـ وسط دهشتهم ـ بالرحيل بحثا عن جحر آخر يأويهم بدل الجحر الحالي. ويصدُقُ حدس الأم . فمع النسمات الأولى للصباح يشرع الفلاح في قلب أرضه بعزم شديد، وهمة كبيرة. فما أحوجنا نحن إلى مثل هذا الرجل الذي لا يتحدث كثيرا، لكنه يقوم بواجبه في صمت بعيدا عن الكلام المنمق والمعسول الذي لا يفيدنا بشيء ولا يعدو أن يكون “مجرد كلام”.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.