سجون…التعليم والتكوين نور في عتمة الزنازن

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أضحت إعادة إدماج السجناء من خلال التعليم والتكوين المهني بمثابة سند بالنسبة للفاعلين في الوسط السجني، الذين يكرسون جهودهم من أجل محاربة حالات العود؛ تلك الظاهرة التي تثقل كاهل النظامين القضائي والسجني.

فمن خلال أهميتها الجوهرية، باتت هذه المسألة في صلب الاستراتيجيات والبرامج الهادفة إلى النهوض بمجال سجني سليم، بهدف تحسين الظروف المادية والمعنوية للسجناء من خلال ثنائية التعليم والتكوين.

وتهدف سياسة إعادة الادماج التي يحرص على تفعيلها هؤلاء الفاعلون، بالاساس الى فتح نافذة للحرية من داخل السجون بالنسبة للسجناء ومنحهم فرصة ثانية للاندماج في المجتمع ومرافقتهم الى حين إكمال مدة العقوبة.

وتدل على ذلك بالفعل، تلك الجهود الجبارة ومتعددة الأوجه لمختلف المتدخلين، وعلى رأسهم المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، ومؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، من أجل ضمان إعادة الإندماج الاجتماعي والمهني للسجناء، من خلال رافعتي التعليم والتكوين المهني.

مصطفى واحد من الحالات التي تجسد نجاح هذه السياسة، فمنذ 2014 تاريخ بداية عقوبته بالسجن المحلي بالقنيطرة، كرس وقته من أجل الحصول على العديد من الشهادات، وذلك بفضل رغبته الراسخة من أجل التحصيل والدراسة، وأيضا بفضل التسهيلات والحوافز التي تقدمها إدارة السجن والتي مكنته من مواصلة دراسته في أفضل الظروف.

وفي هذا السياق يقول مصطفى في بوح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إن “الحكم الذي صدر في حقي كان قاسيا ولم أتمكن في البداية من استيعاب الصدمة بحيث وصلت الى نقطة اللاعودة وكنت يائسا للغاية”.

وأضاف “مع ذلك، فقد تمكنت ومنذ الأسبوع الأول من تغيير رؤيتي وتصوري للسجن، وذلك بفضل نقاش جمعني بمسؤول عن المصلحة الاجتماعية والثقافية والذي أخبرني بإمكانية مواصلة دراستي أو الاستفادة من عدد من التكوينات المهنية”.

كان ذلك بمثابة إعادة إشعال جدوة الأمل في نفس مصطفى الذي اعتقد في أول الأمر أنه لن يستطيع الاستفادة من أي فرصة للتعلم والتحصيل غير أن “المفاجأة كانت سارة بالنسبة لي، لأنه لسوء الحظ بالنسبة لسجناء آخرين، فإن مجرد الحكم عليهم يعني نهاية حياة وبداية حياة أخرى لا طعم لها”.

وتابع مصطفى “عندما تشرع في التعلم في السجن، فإن ذلك يعني إمكانية الاندماج من جديد داخل المجتمع، لأن ارتكاب جريمة يكاد يبعد المرء عن العالم الانساني، غير أنه بفضل التعليم، يصبح من الممكن العودة إلى المسار الطبيعي”، مشيرا إلى أنه تمكن من الحصول على شهادة الإجازة في القانون الخاص وأنه بصدد وضع اللمسات الأخيرة على أطروحته لنيل شهادة الماجستير في القانون الخاص.

وتابع قائلا “داخل الزنزانة يفقد غالبية السجناء البوصلة، ولكن بفضل التعليم يتمكنون من الخروج من النفق، خاصة وأن السجين الذي يتابع دراسته، يدخل كل سنة مرحلة جديدة، وبالتالي فإن يتمكن من تقسيم فترة الإدانة إلى مراحل تساعده في التخفيف من وطأة العقوبة”.

ويعتبر مصطفى أن الثقافة تمثل نافذة كبيرة “تسمح لنا ليس فقط بالانفتاح على المجتمع، وإنما بالعدوة إلى الاندماج فيه (..) و كسجناء نحن أيضا مواطنون نرغب في المساهمة في المسار التنموي الذي تعرفه البلاد”.

الفكرة نفسها يؤمن بها أيضا عصام ذو الاربعين سنة، الذي يؤكد أن التعليم فتح له أيضا نافذة على الحرية والأمل والمستقبل، كما سمح له بتدبير الأيام الأولى، التي كانت صعبة واتسمت بالعتمة وعدم اليقين خلف القضبان، فقد كان التعليم سندا له من أجل التصالح مع نفسه ومع الآخرين ومع المجتمع ككل”.

يتذكر عصام بكثير من الألم أنه “بعد أن نطق القاضي بالحكم، دخلت في حالة من الاكتئاب الذي عذبني لفترة طويلة جدا (..) كانت لدي رؤية شديدة التشاؤم للأيام القادمة” .

وتابع: “في مواجهة هذا الموقف المؤلم الممتزج بخيبة الأمل واليأس، لم يتبق امامي سوى نور المعرفة ليخرجني من الظلام الذي حاصرني منذ النطق بالحكم”.

وهكذا وعلى مدى 15 عاما، حصل عصام على ثلاث شهادات للبكالوريا وثلاث إجازات في الدراسات الإسلامية والقانون الخاص (بالفرنسية) وعلم الاجتماع، ويواصل حاليا دراسته للحصول على الماجستير في القانون الخاص (القانون الجنائي). ويؤكد عصام أن “الأمر لم يكن على الاطلاق سهلا في البداية”.

وأضاف أن الفكرة الشائعة التي تشير إلى أن السجن مكان منغلق يمضي فيه السجاء وقتهم هباء، إنما هي فكرة لا أساس لها من الصحة وعفا عنها الزمن، فقد أضحى السجن الآن فضاء لإعادة الادماج من خلال التعليم والتكوين المهني.

وبخصوص مستقبله بعد قضاء العقوبة السجنية، أكد أن لديه العديد من الأفكار والمشاريع التي سيحرص على تجسيدها على أرض الواقع، مشيرا في هذا الصدد إلى أنه يعتزم إحداث مقاولة خاصة”. وقال إن العقبة الوحيدة التي يواجهها السجناء بعد السجن تتمثل في إعادة التأهيل.

ومن جانب الإدارة، أشار مدير السجن المحلي بالقنيطرة السيد عبد الإله حافة إلى أن فضاء السجن هو في الأساس مدرسة الفرصة الثانية، والتي تقوم على إعادة الإدماج الاجتماعي والمهني للسجناء في ظروف تحفظ كرامتهم وإنسانيتهم.

وأشار عبد الإله حافة إلى أن الاستراتيجيات التي وضعتها المديرية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج في ما يتعلق بالتعليم والتكوين المهني تمنح الفرصة للانفتاح على العالم من خلال القراءة والكتابة واكتساب المؤهلات، ولا سيما الفنية منها، قبل إطلاق سراح السجين”.

وأكد أنه في السجن المحلي بالقنيطرة، يتابع العديد من السجناء التعليم الابتدائي والثانوي والجامعي أو يستفيدون من تكوين مهني.

وفي ما يتعلق بالتعليم الابتدائي، أوضح أنه يتم اختيار المستفيدين على أساس الطلبات التي يقدمونها للإدارة، مضيفا أنه في ما يتعلق بالتعليم العالي (الإجازة والماجستير والدكتوراه)، فإنه يمكن للسجناء متابعة دراستهم في جميع جامعات المملكة.

وأشار إلى أن السجن يتوفر على مكتبة مجهزة بشكل جيد، مشيرا أيضا إلى أنه يتم تنظيم “مقهى ثقافي” بشكل دوري يتيح للسجناء فرصة التفاعل مع شخصيات تنتمي لعالمي الثقافة والفنون.

وأضاف أنه يمكن للسجناء أيضا المشاركة في الجامعة التي تنظمها المديرية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج مرتين سنويا في السجن المحلي بسلا 2 بشراكة مع الجامعات.

وخلص السيد حافة إلى انه في ما يتعلق بالتكوين المهني، يتم اختيار السجناء المنضبطين لتعلم حرفة في الورشات بهدف تسهيل اندماجهم حتى يصبحوا مواطنين منتجين، موضحا أن مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء هي التي توفر المواكبة من أجل إعادة إدماج السجناء.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.