الجزائر تفقد نفوذها في مالي: سقوط دبلوماسية الوصاية وانكشاف لعبة الابتزاز السياسي
تشهد العلاقات بين الجزائر ومالي توترا غير مسبوق، يعكس تحولات أعمق في بنية النفوذ الإقليمي بمنطقة الساحل. فالدولة التي لطالما قُدمت على أنها وسيط محوري في أزمات شمال مالي، تجد نفسها اليوم موضع انتقاد علني من باماكو، في سياق إقليمي ودولي متغيّر يعيد رسم أدوار الفاعلين التقليديين.
ولسنوات، لعبت الجزائر دورا مركزيا في ملفات التفاوض بين الحكومة المالية والحركات المسلحة في الشمال، مستندة إلى موقعها الجغرافي وثقلها الدبلوماسي. غير أن السلطات المالية الحالية باتت ترى في هذا الدور انحرافا عن الحياد، معتبرة أن بعض سياسات الوساطة ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إضعاف سلطة الدولة المركزية.
ويبرز هذا الخلاف إلى العلن مع تصاعد التراشق الكلامي بين مسؤولي البلدين، وهو تطور نادر في علاقات ظلت تُدار تقليدياً خلف الأبواب المغلقة.
وتستحضر باماكو، في خطابها السياسي، الدعم الذي قدمته لحركة التحرر الجزائرية أواخر خمسينيات القرن الماضي، حين تحولت الأراضي المالية إلى قاعدة لوجستية وسياسية لجبهة التحرير الوطني. وتعتبر مالي أن هذا البعد التاريخي يُغفل في الخطاب الجزائري المعاصر، الذي يركّز على التعاون التعليمي والمنح الدراسية بوصفها أساس العلاقة الثنائية.
وبينما تؤكد الجزائر أهمية هذا التعاون في تكوين نخب مالية، ترى باماكو أن تحويله إلى أداة للمساءلة السياسية يمس بروح الشراكة ويعيد إنتاج خطاب غير متكافئ في العلاقات بين دولتين ذات سيادة.
ويتمثل أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في سياسة توزيع المنح الدراسية الجزائرية. فوفق الرؤية المالية، فإن منح حصص دراسية لحركات مسلحة إلى جانب الدولة المالية، كما حدث في فترات سابقة، شكّل سابقة سياسية أثارت تساؤلات حول احترام مبدأ سيادة الدول.
في المقابل، تبرر الجزائر هذه السياسة باعتبارها جزءاً من مقاربة شاملة لإدماج الفاعلين المحليين في مسار السلام. غير أن باماكو ترى أن هذه المقاربة أفرزت نتائج عكسية، عبر إضفاء شرعية غير مباشرة على جماعات مسلحة خارج الإطار الدستوري.
واستعادة الجيش المالي لمدينة كيدال في نوفمبر 2023 شكّلت نقطة تحوّل في مسار الأزمة. فقد عززت هذه الخطوة خطاب السلطات الانتقالية حول “استعادة السيادة الكاملة” ورفض أي ترتيبات تُنظر إليها على أنها مفروضة من الخارج.
وفي هذا السياق، تعمل مالي على تنويع شراكاتها الاستراتيجية، متجهة نحو مقاربات جديدة في التعاون الأمني والاقتصادي، سواء مع روسيا أو عبر مبادرات إقليمية إفريقية، إضافة إلى الانفتاح على مشاريع بنيوية كبرى، من بينها المبادرات الرامية إلى فك العزلة الجغرافية لدول الساحل.
ويعكس الخلاف الجزائريالمالي تحولاً أوسع في منطقة الساحل، حيث لم تعد الأدوار التقليدية ثابتة، ولم يعد مفهوم “الوسيط الأوحد” مقبولاً دون مساءلة. كما يسلّط الضوء على التحديات التي تواجه الدبلوماسية الجزائرية في بيئة إقليمية تتسم بتعدد الفاعلين وتراجع النفوذ الفرنسي وصعود مقاربات جديدة للأمن والتنمية.