هذه كواليس الإخفاق التونسي في «الكان»…
غادر المنتخب التونسي لكرة القدم نهائيات كأس إفريقيا للأمم 2025 من الدور ثمن النهائي بعد هزيمته أمام مالي بركلات الترجيح، في خروج جديد يؤكد مساراً من الإخفاقات المتكررة، لم يعد يُختزل في نتيجة مباراة أو خيارات مدرب، بل بات يعكس أزمة أعمق في منظومة تسيير كرة القدم التونسية.
فعلى المستوى الرياضي، قدّم «نسور قرطاج» بطولة باهتة، بأداء متذبذب، وغياب واضح لهوية لعب مستقرة. باستثناء الفوز الافتتاحي على أوغندا، فشل المنتخب في إقناع المتابعين أو فرض شخصيته، ليبدو الخروج في النهاية نتيجة منطقية لمسار هش، أكثر منه مفاجأة.
وكما جرت العادة، جاءت الاستجابة المؤسسية سريعة شكلياً، حيث أعلنت الجامعة التونسية لكرة القدم إقالة المدرب سامي الطرابلسي مباشرة بعد الإقصاء، في خطوة فسّرها مراقبون بمحاولة امتصاص الغضب العام وتقديم «كبش فداء» للرأي العام.
غير أن معطيات متقاطعة كشفت أن وضع الطرابلسي كان هشاً حتى قبل انطلاق البطولة، وأنه لم يكن يتمتع بالاستقلالية الكافية لاتخاذ قراراته التقنية. مصادر مطلعة تحدثت عن تدخلات مباشرة من داخل المكتب الجامعي في اختيارات حساسة، من بينها التشكيلة الأساسية وشارة العمادة، ما أضعف سلطة الجهاز الفني وخلق ارتباكاً داخل المجموعة.
وتبرز في هذا السياق أدوار بعض المسؤولين داخل الجامعة، الذين وُجّهت إليهم اتهامات بالتدخل في الشأن التقني، في استمرار لممارسات سابقة تعود إلى فترات سابقة من التسيير، وهو ما يتعارض مع مبادئ الحوكمة التي تنص عليها لوائح الاتحاد الإفريقي لكرة القدم.
هذا المناخ المشحون لم يقتصر على الكواليس الإدارية، بل انعكس علناً في تصريحات لاعبين، أبرزهم الدولي حنبعل المجبري، الذي أقر بوجود تأخر بنيوي في كرة القدم التونسية، داعياً إلى مراجعة شاملة وصريحة للمسؤوليات.
وبموازاة الإخفاق الرياضي، رافقت مشاركة تونس في البطولة حوادث غير رياضية، شملت مشادات، واتهامات بإهانات لفظية داخل مناطق رسمية مخصصة لكبار مسؤولي «الكاف»، ما أدى إلى تحرير تقارير رسمية وفتح مساطر انضباطية قد تفضي إلى عقوبات محتملة.
كما سُجلت توترات في المدرجات، واحتكاكات بين جماهير ولاعبين أو محيطهم، في مؤشر إضافي على مناخ عام متشنج، تُقابل فيه الانتقادات بحساسية مفرطة بدل معالجتها في إطار مؤسساتي هادئ.
الأخطر، وفق التحقيق، أن هذه الوقائع لا تبدو معزولة، بل تندرج ضمن منظومة أوسع من العلاقات واللوبيات التي باتت تتحكم في جزء من القرار الكروي، من خلال شركات تنظيم وتسويق رياضي، تحولت من مزود خدمات إلى فاعل مؤثر في برمجة المباريات الودية، وإدارة المعسكرات، وحتى في بعض الترتيبات المالية.
وتشير معطيات موثقة إلى وجود علاقات تشابك بين هذه الشركات ومسؤولين جامعيين، إضافة إلى أدوار إقليمية داخل أروقة كرة القدم الإفريقية، حيث يتم تبادل الدعم والنفوذ مقابل تسهيلات أو مصالح متقاطعة، ما يطرح تساؤلات جدية حول الشفافية وتضارب المصالح.
في المحصلة، لا يبدو الإخفاق التونسي في «الكان» أزمة نتائج بقدر ما هو انعكاس لأزمة حوكمة. فبين تدخلات إدارية، وضعف استقلالية فنية، وتغليب منطق الشبكات والعلاقات على البناء الرياضي، يظل المنتخب الوطني رهينة اختلالات لا تُحل بإقالة مدرب أو تغيير اسم.
ويخلص متابعون إلى أن البطولة لم تُنتج الأزمة، بل كشفتها على العلن، مؤكّدين أن أي مسار إصلاحي حقيقي يظل مشروطاً بفصل القرار الرياضي عن الحسابات السياسية والشخصية، وإعادة الاعتبار لمبدأ المحاسبة والشفافية داخل مؤسسات كرة القدم التونسية.