باحثون ومهتمون يثيرون نقاشا فكريا وعلميا لتجارب العدالة الانتقالية المغربية والتونسية

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

 

نظم المركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراسة التقارير الدولية ندوة علمية عن بعد” حول موضوع: “تجارب العدالة الانتقالية المغاربية: المغرب وتونس نموذجا”، يومه الاربعاء 13 أبريل 2022 .

وقد استحضر المركز ضمن أرضية الندوة على أن تجربتا المغرب وتونس وجدتا انفسهما أمام إرث من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان والصراعات السياسية المرتبطة بالسلطوية مثقلة على الذاكرة الجماعية للمجتمع، مما تبلورت  عنه خيارات كثيرة منها مقاربة العدالة الانتقالية لأجل تدبير الخلافات باعتبارها الخيار الأفضل للاستقرار وتوسيع المشاركة السياسية لأجل ترسيخ قيم المصالحة الوطنية عبر تأسيس لجان الحقيقة والمصالحة التي تتولى الكشف عن حقيقة الانتهاكات في الماضي، جبر الأضرار المادية والمعنوية، الحفاظ على الذاكرة الجماعية، عدم الإفلات من العقاب…

وعرفت الدول العربية تجارب محدودة من العدالة الانتقالية كان منها التجربة المغربية الأولى على صعيد العالم الإسلامي (هيأة الإنصاف والمصالحة) سنة 2004 والتجربة الثانية في تونس (لجنة الحقيقة والكرامة) سنة 2014 بعد الثورات العربية، فتجربة العدالة الانتقالية المغربية بعد نقاش واسع ومستفيض لمختلف الفاعلين الذين طرحوا بإلحاح استعصاء استمرار السلطوية وعنف الدولة، عمل النظام السياسي المغربي في تقويم ولبْرلة سلوكه السلطوي أمام المنتظم الدولي من العنف الممارس ضد مواطنيه بإقرار آليات العدالة الانتقالية وتقليص حجم الاحتقان السياسي. في حين ارتبطت التجربة التونسية بمتغيرات “الربيع العربي” بعدة مداخل إيجابية تفاعلية بين النظام السابق والمنبثق على مجريات ثورة “ربيع العربي”. نتج عنها مجموعة من المتغيرات المرتبطة بالأساس بالإصلاحات المؤسساتية والقانونية، غير أن التجربة اتسمت  بالرغم من الترسانة القانونية التي اشتغلت بها لجنة الحقيقة والكرامة بالمحدودية وانعدام الإرادة السياسية في معالجة مقاربة العدالة الانتقالية في بعدها الدولي.

وقد قام الأستاذ الدكتور يونس القبيبشي أستاذ القانون العام كلية –مارتيل- تطوان جامعة عبد المالك السعدي، بتسيير الندوة حيث  أشاد بعد الافتتاح بدور المركز المغربي للعدالة الانتقالية في تنظيم التظاهرات والندوات العلمية المتميزة، ثم انتقل إلى تقديم موضوع الحلقة، مبرزا أهميته المتجلية في الطفرة التي تطبع تجارب العدالة الانتقالية عبر العالم، خاصة وأن هذا المجال أصبح يفرض نفسه كحقل مستقل للبحث في القانون الدولي، نظرا لأهميته في تعزيز المصالحة الوطنية، عن طريق الاعتراف الدولي بانتهاكات حقوق الإنسان، وإعادة الثقة بين الدولة والمجتمع، في سبيل إرساء معالم دولة الحق والقانون وتعزيز مبادئ حقوق الإنسان، كما أشار إلى أن الهدف الأساسي من هذه الندوة هو تعميق النقاش حول مفهوم وآليات العدالة الانتقالية .

ثم انتقل إلى تقديم الضيوف الكرام، الذين تكونوا من مجموعة من الأساتذة والباحثين المختصين في مجال العدالة والانتقال الديمقراطي، بالإضافة إلى كونهم خبراء وممارسين في هذا الباب .

فقد منحت الكلمة الأولى للدكتور نذير اسماعيل استاذ باحث بكلية الحقوق بمكناس تحت عنوان “العدالة الانتقالية بين الكونية والخصوصية” حيث قام المتدخل بالتذكير بالعلاقة ما بين التحول السياسي الذي عرفه المغرب، وهو ليس تحول مؤسس على الانتقال من نظام سياسي لآخر، بل هو انتقال ذو أساس ديمقراطي، أي انتقال ديمقراطي. فهو انتقال من خلال المصالحة الوطنية والكشف عن الحقائق التي كانت وراء مجموعة من الأحداث التي عرفتها سنوات الجمر والرصاص، وما عقب ذلك من محاولة لجبر الضرر.

كما أشار إلى العلاقة بين العدالة الانتقالية في المغرب والسياق الدولي، خصوصا مع سقوط جدار برلين وبروز مجتمع دولي سياسي جديد وحركة حقوقية عالمية ووطنية، وما واكب هذا الأمر من ضغط على السلطات والأنظمة لكي تدعم عملية المصالحة.

وابرز المتدخل مجموعة من مظاهر المصالحة خلال أواخر التسعينات، من خلال العفو على المعتقلين وإطلاق سراحهم، إحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، تأسيس المنتدى المغربي للإنصاف وكلها كرست العدالة الانتقالية في المغرب، وكرست للمصالحة ما بين المجتمع والدولة وإعادة الثقة في مؤسسات الدولة.

وأكد المتدخل كذلك على أهمية المجتمع الحقوقي ودوره ومطالبته في بلورة العدالة والإنصاف، وهي مطالب تعلقت بالكشف عن الحقيقة وجبر الضرر مع اعتماد آليات تضمن عدم تكرار هذه الممارسات.

كما تحدث عن دور التحكيم الملكي في إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة مما يؤشر على وجود إرادة سياسية قوية من طرف القادة السياسيين في اعتماد محطة العدالة الانتقالية والقطع مع المرحلة السابقة التي طبعتها مجموعة من الممارسات الخطيرة من قبيل الاختفاء القسري والمقابر الجماعية والمعتقلات السرية وغيرها.

أما المداخلة الثانية  كانت  من نصيب الاستاذة ابتهال عبد اللطيف، عضوة  بهيئة الحقيقة والكرامة- تونس-  رئـيــســـة لجــنــة الـمــرأة ونائبة رئيس لجنة التحكيم والمصالحة، تطرقت من خلالها إلى التجربة التونسية في مجال العدالة الانتقالية،  من خلال موضوع “التجربة التونسية وإشكالات مسار غير مكتمل”، حيث قامت الأستاذة بتقييم موضوعي وشامل لوضع مسار العدالة في تونس، مشيرة إلى الاختلالات التي عرفتها التجربة التونسية في هذا المجال، حيث تطرقت في مداخلتها إلى آليات اشتغال هيئة الحقيقة والكرامة، كهيئة مكلفة بالكشف والتحري عن الانتهاكات التي طالت حقوق الإنسان بتونس فيما مضى، كما أشارت إلى النواقص التي تحول دون أدائها المهمة المنوطة بها على أكمل وجه، كما أشارت الأستاذة ابتهال إلى أن تجربة العدالة الانتقالية بتونس تميزت بظهورها في ظل نظام سياسي جديد بعد سقوط نظام بن علي، كما تحدثت كذلك، عن إحداث  لجنة تقصي الحقائق، بغرض محاسبة الأشخاص الذين تورطوا في الانتهاكات الجسيمة ضد حقوق الإنسان في النظام السابق، إلا أن ضعف آليات الاشتغال، وتعذر جبر الضرر، بالإضافة إلى ضعف التمويل والدعم المادي، بالإضافة إلى الفساد وتدخل رجال الأعمال في السياسة؛ كلها عوامل حالت دون تحقيق العدالة المتوخاة، والكشف عن الحقيقة، وتعويض المتضررين، مما يشكل عائقا أمام تحقيق المصالحة المتوخاة. كل هذا في ظل ضعف مواكبة النظام السياسي والإعلام لأنشطة هيئة الحقيقة والكرامة.

أما المداخلة الثالثة للدكتور تقدم بها بلغيت حميد، أستاذ باحث  كلية الحقوق- السويسي-الرباط، حول موضوع: “خصائص تجارب العدالة الانتقالية في سياقات استمرارية بنية النظام السياسي”، وقد انطلق من المنطلق التجريبي والنموذجي، بمعنى كيف يمكن اعتماد نموذج وحيد وواحد على المستوى الدولي، والذي يمكن تطبيقه وممارسته على جميع حالات العدالة الانتقالية عبر العالم. حيث إنه على المستوى الدولي هناك 40 حالة للجن الحقيقة والمصالحة، على مستوى جنوب افريقيا والارجنتين والشيلي والمغرب وتونس والسلفادور وغواتيمالا واوغندا وبوليفيا ويوغوسلافيا…..  غير ان بعض الحالات كانت نتائجها جد ضعيفة كالنموذج الهايتي والسريلانكي والنيجيري والجزائر والبرازيل.

كما تطرق المتدخل لشروط نجاح العدالة الانتقالية في ظل تقرير الأمين العام للأم المتحدة، والذي وضع مجموعة من المعايير التي يمكن اعتمادها لإنجاح أي تجربة في العدالة الانتقالية، ولكنه أكد على أن هناك شروط فقط للتأسيس الجيد، وبالتالي فعلى مستوى ممارسة العدالة الانتقالية فكل بلد يمارسها حسب خصوصياته، وبالتالي توضع حدود لنجاح التجربة.

كما اعتبر أساس إحداث العدالة الانتقالية إما من خلال تجارب داخل النظام وهناك تجارب معتمدة في سياق دولي من خلال ضغط المجتمع الدولي على بعض الدول من أجل اعتماد العدالة الانتقالية.

وقد ذكر المتدخل ثلاثة أنماط:

  • تجارب مهدت للانتقال الديمقراطي، وكانت سببا فيه.
  • تجارب واكبت عملية الانتقال
  • تجارب كانت نتيجة للتحول السياسي، مثل حالة جنوب افريقيا.

كما تطرق لخاصية الإفلات من العقاب، وحق العفو وإثارة المسؤولية الجنائية للضالعين في الانتهاكات الجسيمة في حقوق الإنسان. ثم عرج على مؤشرات القصور المتمثلة في الكشف غير الكامل عن المعطيات، وضعف الأرشيف، وأزمة التواصل المؤسساتي. وأكد على أن مسلسل العدالة الانتقالية في المغرب ساعد على إعداد قانون حول الأرشيف، وكان وراء إحداث مؤسسة الأرشيف.

كما أكد على الطابع الفوقي لمؤسسة الإنصاف والمصالحة، وقصور نشاطها دستوريا، بالنظر لوجود حدود دستورية رافقت إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة. وفي الأخير أشار إلى أن قضية الكشف عن الحقيقة ليست متعلقة بالدولة المغربية فقط بل بدول أخرى كفرنسا خصوصا في قضية المهدي بنبركة.

أما المداخلة الرابعة للدكتور محمد جعفر أستاذ علم السياسة والقانون الدستوري كـلـيـة الـحـقـوق – مـكـنـاس  وعضو المركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراســة التـقـاريـر الـدولـية، والتي كانت موسومة بعنوان ” تجربة العدالة الانتقالية بتونس :  تأملات وتساؤلات “، قدم الأستاذ تحليلا موضوعيا لتجربة العدالة الانتقالية بتونس، حيث انطلق من إثارة مجموعة من الملاحظات حول المفهوم، مشيرا إلى  كثافة استعمالاته في سياقات مغايرة لسياقات توليده ما جعله مفهوما مطاطيا و هو –حسب المتدخل- مستورد من دول أجنبية. كما تطرق لتعريف المفهوم من خلال القانون الأساسي للعدالة الانتقالية في تونس والذي يشير إلى تدخل رغبة السلطة في وضع آليات المصالحة، كما تطرق إلى أن إنشاء لجنة الحقيقة والكرامة جاء نتيجة تدخل مجموعة من الفاعلين الدوليين.

تحدث كذلك عن الفكر الثوري وانعكاساته على العدالة الانتقالية والجدل القائم بين من يسبق الآخر هل هو الفكر أم العمل، كما اشار الأستاذ جعفر كذلك، إلى المرحلتين الأساسيتين اللتين طبعتا التجربة التونسية، حيث تميزت التجربة الأولى الممتدة من يناير2011 إلى دجنبر2013 بتراجع ونكوص في خطاب العدالة ؛ في حين تميزت التجربة الثانية الممتدة من 2013 إلى اليوم بنفس تطوري في اعتماد آليات العدالة الانتقالية. أيضا تحدث عن تأثير مجموعة من المعطيات على اعتماد آليات المصالحة الوطنية منها ما تكرس قبل الأزمة التونسية، ومنها ما استمر خلالها وعوامل أخرى ظهرت بعدها.

وفي الأخير، حاول الدكتور محمد جعفر تقديم مجموعة من التوصيات، من أجل نجاح التجربة في تونس، من بينها: الاشتغال على تهيئة المناطق التي عرفت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان على مستوى جماعي، وضرورة اعتماد سياسة مجالية ذات بعد حقوقي ، نظرا للارتباط الوثيق بين العدالة المجالية والعدالة الانتقالية. كما أثار كذلك، تساؤلا مهما حول ما واقعية سياسة العدالة الانتقالية، هل هي بغرض الانتقال الحقيقي نحو الديمقراطية أم أنها مجرد صورة دولية ؟

أما المداخلة الأخيرة لدكتور المصطفى بوجعبوط، مدير المركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراســة التـقـاريـر الـدولـية، حول موضوع: “أوجه التشابه والاختلاف في تجربة العدالة الانتقالية المغربية التونسية” حيث اعتبر أن المدة التي مرت منذ تأسيس لجنة الإنصاف والمصالحة هي مدة كافية من أجل قياس مدى نجاح التجربة  على خلاف التجربة التونسية التي تعتبر قصيرة مقارنة معها.

كما تطرق للتطور الحقوقي في المغرب منذ سنوات التسعينات ودور في اعتماد آليات العدالة الانتقالية، من خلال تدخل المجتمع المدني وكذا المجتمع الدولي في تطوير العدالة الانتقالية. كما تطرق للهيئات التي تم اعتمادها كهيئة التحكيم المستقلة وهيئة استقصاء التجاوزات على مستوى تونس، كما ذكر انه من بين مؤشرات الاختلاف هناك على مستوى طريقة الاشتغال وتقديم النتائج وعلى مستوى طرق التعويض وعلى مستوى القوانين التي كانت وراء تأسيس هذه اللجن، حيث تم الاستناد في المغرب إلى قرار ملكي لتأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة وإصدار قانونها الأساسي بظهير شريف، بينما تونس تم الاستناد إلى قانون خضع للتصويت في البرلمان.

أما على مستوى التقرير الختامي، فقد أصدرت الهيأة في التجربة المغربية سبعة أجزاء بينما هنالك ثمانية أجزاء في التجربة التونسية، كما أن اشتغال الهيئة في المغرب كان لمدة سنتين بينما في تونس اشتغلت اللجنة أربع سنوات، مع التمديد في كلا التجربتين، كما أن مدة التحقيق في المغرب شملت 43 سنة، (1956-1999) بينما تونس اعتمدت 58 سنة (1955-2013) كزمن للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

وأكد الدكتور بوجعبوط أن إذا كانت التجربتان تشتركان في تأسيس لجنة في البداية وبعد ذلك تأسيس لبراديغم محدد وفق مواصفات العدالة الانتقالية، فإن الباحث سجل وجود اختلاف في التركيبة البشرية المكونة للتجربتين، سواء بالنسبة إلى هيئة الحقيقة والكرامة التونسية أو هيئة الإنصاف والمصالحة المغربية ( من حيث عدد الأعضاء وطبيعة الجنس…. ) . كما تختلفان في مجال الاختصاص، فهو محدود في التجربة المغربية وموسع في نظيرتها التونسية، لكن التجربتين تشتركان في عدم تقديم الدولة اعتذارا للضحايا .

وفي نهاية الندوة، التقت إضافات السادة الأساتذة والأستاذ المحاضرة عند بعض النقط المشتركة المتمثلة في :

  • القيمة العلمية لاختيار الموضوع وتعدد مقارباته؛
  • أهمية الموضوع في صون الذاكرة الجماعية للشعوب التي تعرضت في ماضيها لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان؛
  • استخلاص الدروس والعبر من الماضي لبناء الحاضر واستشراف المستقبل على أسس وقواعد العيش المشترك؛
  • احترام حقوق الإنسان وإشاعة ثقافتها والتربية على مبادئها؛
  • الحاجة إلى تطوير البحث العلمي في هذا المجال البِكر والقابل للتطوير ؛
  • أهمية مراعاة خصوصية كل تجربة على حدة وعدم نهج أحكام تقويمية مطلقة وشاملة ؛
  • مساهمة تجارب العدالة الانتقالية في تقليص مظالم الماضي وليس اجتثاثها ؛
  • محاولة البحث عن نموذج ذو خصوصية محلية لآليات العدالة الانتقالية؛
  • الالتزام بتوصيات الهيأتين لأجل بناء مقاربة حقوقية.

 

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.