المخرجة مريم التوزاني تنسج “قفطانا أزرق” من الإرث الثقافي المغربي بخيوط من الحب والمثلية

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

بعد مشاركتها في مسابقة “نظرة ما” في 2019 بفيلم “آدم”، تعود المخرجة المغربية مريم التوزاني إلى مهرجان كان بعمل جديد يحمل عنوان “القفطان الأزرق”، من بطولة كل من لبنى أزبال في دور مينة، الممثل الفلسطيني صالح بكري في دور حليم، والممثل الشاب أيوب مسيوي في دور يوسف.

والعمل هو مغربي حتى النخاع، استحضرت فيه المخرجة العديد من العناصر التي تحيل على تاريخ وثقافة البلد، وتثير في الوقت نفسه الأسئلة المسكوت عنها مجتمعيا، وخاصة المثلية، التي تدخل في نطاق المحرم على كل المستويات، ويفضل صناع السينما المغربية عادة الخوض فيه بنوع من الاحتراز لعدم إثارة حساسية أي جهة من الجهات.

“القفطان الأزرق”

يتحدث الفيلم عن قصة الصانع التقليدي حليم، الذي يمارس خياطة فساتين النساء بإتقان كبير، مع قفطان بديع بلون أزرق كان يعده لزبونة، أخذ منه وقتا وجهدا كبيرين، وبموازاة ذلك كان هذا الشخص يعيش مثليته في الخفاء دون إثارة انتباه المحيط القريب منه. وكل هذه الأحداث تدور في معمعة حياة هادئة وعادية، لا تشوبها أي شائبة ظاهريا.

وإصابة زوجته، التي يحبها بشكل كبير، بسرطان مميت، لم يمنع هذان الزوجان من الاستمتاع باللحظات التي تجمعهما. وقدمتهما المخرجة كنموذج للأسرة المغربية البسيطة التي يسودها التفاهم والوئام، ويضع فيها الزوجان اليد في اليد لمواجهة محن الدهر وصروفه.

وبعملها هذا، تكون التوزاني قد كرمت الصناعة التقليدية المغربية عموما وصناعة هذا النوع من الألبسة الاحتفالية خاصة. وعرضت الشروط التي تمارس فيها بحس فني كبير. كما جددت العهد مع أسلوبها السينمائي في النبش بالمسكوت عنه بإثارتها لموضوع المثلية.

وهذا العمل السينمائي هو من إنتاج زوجها نبيل عيوش الذي شارك في المسابقة الرسمية للمهرجان السنة الماضية بفيلمه “علِّي صوتك”. وفي كل مناسبة، تشيد التوزاني بدعم عيوش لها في مشاريعها الفنية، إذ وجهت له أمام الجمهور قبل عرض فيلمها تحية حب واعتراف، قائلة: “أشكر حبي الذي كان دائما بجانبي ودعمني باستمرار”.

“للسينما مبادئ وحدود”

وعبر الممثل أيوب مسيوي، الذي أدى دور يوسف في الفيلم، عن سعادته للمشاركة في المهرجان. “هي أول مرة أحضر فيها لتظاهرة سينمائية من هذا الحجم، وأسافر فيها خارج المغرب. صراحة لم أكن أحلم يوما أني سأكون هنا. وممتن للمخرجة مريم التوزاني التي أتاحت لي الفرصة للعمل إلى جانبها”.

وأضاف: “بدأت التمثيل في 2019 وعملت خاصة في المسرح. كنت أقول إنه من الصعب أن يتم اختياري يوما في عمل سينمائي. وأعتبر هذا الفيلم انطلاقة جديدة في مساري الفني. وأتمنى فقط أن لا يقع المشاهد تحت سلطة الأحكام المسبقة، ويربط الفيلم بشخصي. أنا قمت بدور في عمل سينمائي كممثل فقط”.

وفي نفس السياق يستطرد: “هو دور صعب جدا، والذي شجعني للمشاركة في العمل هو أنني اتفقت مع المخرجة مريم التوزاني ألا تكون هناك مشاهدة صادمة للجمهور. حتى لو كان مجرد فيلم وسينما، من المفروض أن يكون هناك حدود ومبادئ” على حد تعبيره.
وفي مقابلة لفرانس24، تكشف التوزاني أن قصة القفطان عاشت جزءا منها في حياتها. ووظفت خيالها السينمائي في إغنائها بعناصر أخرى، وهو ما أخرج عملا متميزا صفق له جمهور كان كثيرا. وتشجع المخرجة على الخوض سينمائيا في القضايا المسكوت عنها، كالمثلية، مشيرة إلى أنها عندما كتبت سيناريو الفيلم لم تفكر في رد فعل الجمهور، بقدر ما ركزت على كتابة ما تحسه.

وفيما يلي نص المقابلة مع المخرجة:

كيف جاءتك فكرة الفيلم؟

عند تصوير فيلمي السابق “آدم”، التقيت بشخص متزوج يعيش حياته العادية. لكن أحسست بأنه يعيش حياة جنسية ثانية لا يبوح بها. وهذا الشخص فكرني في العديد من الأشخاص المتزوجين الذين كنا نسمع عنهم أشياء في الخفاء تفيد أن لهم حياة جنسية ثانية. وبعد إخراجي فيلم آدم. عدت لهذا الموضوع من جديد. فقط أن الشخص المذكور أصبح “معلم”، يعني صانع تقليدي للقفاطين. ولدي قفطان عمره حوالي 50 خمسين عاما، لبسته على السجادة الحمراء. هذا القفطان الذي صنع بإتقان كبير، كبرت معه. وكان دائما يشدني إليه منذ أن كنت صغيرة. كنت أخرجه من الخزانة وأنظر إليه ثم أرجعه لمكانه. تمنيت أن تتاح لي يوما فرصة ارتدائه. هذا القفطان بصم طفولتي. وفي يوم من الأيام منحته لي والدتي، فجربته لأول مرة في لحظة تاريخية، أحسست فيها بمشاعر خاصة، استعدت في بحرها العديد من الذكريات التي عشتها مع الوالد رحمه الله ومع والدتي.

الظهور على السجادة الحمراء بقفطان للوالدة عمره حوالي 50 عاما هو هدية جميلة لها. أليس كذلك؟

طبعا، كنت سعيدة أنها تراني على السجادة الحمراء بهذا القفطان. وحاليا يحز في نفسي عندما أرى أن هذه الحرفة في طريقها إلى الانقراض. لأن الكثير من الحرفيين رحلوا ولم يعد هناك من يخلفهم للقيام بما كانوا يقومون به من أنواع الطرز. هناك صناع تحدثت إليهم في الموضوع، وقالوا لي بعيون دامعة إنهم لا يتوفرون على صناع متعلمين يحملون الشعلة من بعدهم. وقال لي أحدهم في الدار البيضاء إن بعض الحرفيين فضلوا ترك الحرفة ومزاولة مهن أخرى لتوفير لقمة العيش؛ لأنهم لا يستطيعون ذلك عبر هذه الحرفة. وكل هذه العوامل خلفت في نفسي أثرا خاصا. ومزجت بين الاثنين قصة حليم الذي يعيش حياة جنسية ثانية بعيدا عن أعين زوجته والقفطان، وهو ما أعطى هذا الفيلم الكثير من المشاعر.

الفيلم أيضا طرح لإشكالية انتقال موروث ثقافي بعناصره المتداخلة من جيل لجيل. الوالدة قدمت لك هذا الإرث بكرم كما كل الأمهات، لكن هناك ظروف أخرى، قد نقول عنها ذاتية، تحد من فعالية العملية عندما تتحدثين عن التهديد الذي يلحق بهذه الصناعة التقليدية بسبب تراجع عدد الحرفيين الممارسين لها بل ورحيل البعض منهم دون النجاح في إيجاد خلف لهم.

هذا الإرث الثقافي لا نعطيه ما يستحقه من أهمية. وهو جزء من هويتنا ومفخرتنا. أصبحنا نعيش في مجتمع استهلاكي لا يهتم بالاحتفاظ بالأشياء ككنوز تتوارثها الأجيال. يمكن أن يقال عني إني رومانسية ولدي حنين للماضي. على أيٍ أنا هكذا…وهذه أمور تمسني في مشاعري.

يمكن اعتبار فيلمك تكريمًا للصناعة التقليدية إذن؟

طبعا، هو تكريم للصناعة التقليدية المغربية والحرفيين الذين يوجدون خلفها حيث يقضون الساعات والأيام لصنع فستان معين. يعطون من وقتهم ودمهم وإحساسهم الشيء الكثير لنرى في الأخير تحفا من الفساتين.

طرح المثلية في فيلمك هل خلق لديك أي تخوف من أن يثير حساسية الجمهور المغربي؟

أعتقد أن هذا واقع معيش في مجتمعنا. ولا يمكن الخوف من طرح مثل هذه القضايا. من الضروري الحديث عنها حتى لا تظل في خانة المسكوت عنه، لأن هذا يتسبب في الكثير من المعاناة. فلماذا كل هذه المعاناة؟ كما أن هذه مسألة مرتبطة بالحريات الفردية. كل شخص يكون حرا في حياته والذي يريده فيها. يحب من يريد سواء كان رجلا أو امرأة. وعندما كتبت السيناريو لم أقل كيف سيتلقاه الجمهور. ولا أحب التفكير في ذلك. أحب القيام بالأشياء بالطريقة التي أحسها.

بمعنى أنك مع تكسير الطابوهات الموجودة في المجتمع؟

لا أدري إن كان هذا الأمر فعلا طابو (محرَّم) لأنه موجود. فقط يجب قول الأشياء كما هي ومناقشة ذلك. يجب تغيير بعض الأمور. يجب تغيير بعض العقليات أيضا والتقدم إلى الأمام. نحن نعيش في بلد منفتح لمستوىً كبير، لكن هناك العديد من التناقضات.

ما سر حضور الثنائي نبيل عيوش ومريم التوزاني المتواصل في السنوات الأخيرة بمهرجان كان كممثلين للسينما المغربية؟ هل لا توجد أفلام مغربية أخرى بإمكانها أن تحظى بهذا الشرف؟

“تبتسم”…ليس هناك أي سر. نحن عندما نصور فيلما، نقوم بذلك بقلبنا وبكل جوارحنا. نقوم بذلك بقناعاتنا. نحب الشخصيات التي نحكي عنها. نحب القصة التي نرويها. هذا كل ما يهمنا. لسنا نحن من نختار الأفلام المشاركة. نقدم عملنا ككل السينمائيين للمهرجان وهو الذي تكون له الكلمة الأخيرة. نحن صادقون جدا في الأعمال التي نقوم بها.

ما الذي يعنيه لك أنك تقتسمين مع شخص، نبيل عيوش، الحب الواحد وفي الوقت نفسه مشاريع فنية مشتركة؟

هذا أجمل شيء وأنا محظوظة أني أعيشه. لكنه من النادر جدا أن تتقاسم الحب والعشق لمهنة مع شخص آخر في الوقت ذاته. كنت محظوظة فعلا. جميل جدا، أن يكون لك شريك حياة ونفس الوقت شريكك في الإبداع. الحمد لله كنت محظوظة.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.