الصحفي ابراهيم الناشري يكتب: كيف نحد من إنتشار الشائعات؟

0

كثير من الشائعات نتعامل معها في حياتنا اليومية، بعضها مؤثر، وكثير منها هامشي، أحياناً ندرك حقيقتها وأحياناً كثيرة نصدقها ونتعايش معها دون دراية أو تثبت. الشائعات لن تختفي أبداً، هذه إحدى مسلّمات هذا العصر، فالعامل الإنساني الذي دفع إلى إيجادها وساعد على انتشارها هو سر استمراريتها، وتمريرها لم يعد مقتصراً على الحكومات ووسائل الإعلام التقليدية وقادة الرأي كما كان الحال قبل عقدين من الزمن، بل أصبح الأشخاص مساهمين في خلقها ونشرها بشكل كبير.

تاريخياً، عرفت الشائعات على نطاق واسع في زمن الحروب وتحديداً بعد الحرب العالمية الثانية (1944)؛ بهدف الضغط على الأعداء، واتخذت مسارات متعددة خلال العقود الماضية، وأصبحت جزءاً رئيسياً من العملية الإعلامية التي حولتها التقنيات الحديثة إلى تشاركية يسهم من خلالها الجمهور بدوره في صنع المحتوى وتصديره من خلال القنوات المختلفة.

وتشير الأبحاث إلى أن العامل الرئيسي المساعد على انتشار الشائعات هو التكرار المؤدي إلى التصديق، فعندما تكون الشائعات متوالية يكون لديها القدرة على حمل العامة معها، وكلما زادت نسبة الشائعات زادت نسبة إمكانية جعلها قابلة للتصديق، وهذا تحدٍ كبير لوسائل الإعلام المعنية في المقام الأول بتقديم الحقائق إلى الناس وكشف محاولات التضليل التي تمارسها جهات معينة من خلال بث الشائعات لخدمة أهدافها.


في ظل التعايش اليومي مع عشرات وربما مئات المعلومات المغلوطة بتنا في حاجة ماسة إلى تأسيس مراكز تابعة لجهات رسمية تكافح الشائعات وترد عليها، وتؤهل متخصصين يعملون على مدار الساعة؛ لتصحيح المعلومات المغلوطة التي تتداول إلكترونياً.

مؤخراً، كشفت دراسات حديثة في معاهد متخصصة في الصحافة الرقمية وعلى رأسها معهد (تاو سنتر) بجامعة كولومبيا الأمريكية أن المؤسسات الصحافية متورطة في بث الأكاذيب، فهناك صحافيون يقتنصون تلك الشائعات لعمل أخبار مثيرة للجدل، والحصول على مزيد من الحوافز المالية. وينتج عن هذا عدد كبير من المعلومات المغلوطة التي لم يتم التحري عن صدقيتها، مما يعطيها المصداقية والرواج.

وتوصلت دراسة (أكاذيب وأكاذيب كريهة.. ومحتوى ينتشر بسرعة) لكريغ سيلفرمان (2015) إلى أن المؤسسات الصحافية لا تعترف بكونها فلاتر ذكية في عالم يفيض بالمعلومات المشكوك فيها؛ إذ يجب التساؤل حولها والتوقف عندها مراراً. وتشير إلى أن أحد أهداف الصحافة تزويد العامة بمعلومات تساعدهم على العيش وفهم العالم من حولهم. وهذا مستحيل فعله عندما تقوم بالترويج النشط للشائعات. واعتبرت دراسة سيلفرمان صحافة الإنترنت جزءا من مشكلة انتشار الشائعات أكثر من كونها حلاً لها، فهي تقوم بالنشر أيضاً دون التحقق، فيما دور الجهات التي تسعى إلى نشر الحقيقة في أغلب الأحيان ليس كافياً.
في عالمنا العربي، وفي ظل عدم وجود ضوابط وقوانين صارمة تعاقب ناشري الشائعات، وعدم اهتمام بعض المؤسسات الصحافية والمواقع الإخبارية بالممارسات الاحترافية التي تراعي أخلاقيات العمل الإعلامي، وتسليم غالبية الأفراد بأن كل ما يتلقونه عبر وسائط الاتصال صحيح؛ بالتالي يمررونه إلى أكبر عدد ممكن، فإن الشائعات ستستمر في الانتشار، وستحتاج الدول إلى مزيد من الجهود لمواجهتها ومنع خطرها على الفرد والمجتمع.
في ظل التعايش اليومي مع عشرات وربما مئات المعلومات المغلوطة بتنا في حاجة ماسة إلى تأسيس مراكز تابعة لجهات رسمية تكافح الشائعات وترد عليها، وتؤهل متخصصين يعملون على مدار الساعة؛ لتصحيح المعلومات المغلوطة التي تتداول إلكترونياً، وآخرون مهمتهم توفير المعلومات التي يحتاج إليها الجمهور، فشح المعلومات أو انعدامها حول الموضوعات المهمة أحد أهم أسباب انتشار الأكاذيب.

ويجب أن يدرك القائمون بالاتصال والمعنيون بتوفير المعلومات للجمهور بأنه على الرغم من خروج الحقائق في أحيان كثيرة لدحض الشائعات المتداولة، إلا أن إعلانات النفي تنتشر بسرعة أقل ولا تصل إلا لنحو 20 في المئة من متلقي الشائعة، فالغالبية العظمى لا يحرصون على تصحيح معلوماتهم، والحقيقة -في أغلب الأحيان- لا تحظى بذات الأهمية التي يحظى بها الكذب.

للكاتب والصحفي إبراهيم الناشري
صحفي، متخصص في الإعلام الجديد، ماجستير صحافة إلكترونية من جامعة الملك سعود

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.