المدير العام : نسيم السعيدي | مدير النشر : حسن الحماوي |نائب مدير النشر : عبد السلام بوستى| رئيس التحرير : محمد بودويرة | الهاتف : 0600683933
الرئيسية » الرأي » سعيد سونا يكتب: في الحاجة إلى التقنوسياسية
سعيد سونا

سعيد سونا يكتب: في الحاجة إلى التقنوسياسية

سعيد سونا *      

اذا كان الدستور الفرنسي قد نص صراحة وبشكل جلي على أن ” الأحزاب مؤسسات قانونية تسعى إلى الوصول إلى السلطة ” وبما أن فقهاء القانون الدستوري المغاربة لهم تاريخ طويل في محاكاة التجربة القانونية الفرنسية في جميع المستويات ، وبسطها في الحالة المغربية ، رغم الكثير من الاختلاف بين المناخين، سواء من ناحية الهوية والخصوصية المغربية ، وكذا بالنسبة للأشواط التي قطعتها فرنسا في ترسيخ دولة ديموقراطية قوية ، إلا أنهم حاولوا التنصيص عن هوية الأحزاب المغربية ، ومحاصرتها بمجموعة من الآليات الدستورية ، التي تحد من سقف تحرك الأحزاب ، فقد انتقلت من دستور ماقبل 2011 الذي وضعها إلى جانب المجتمع المدني في تأطير المواطنين ، إلى تخصيص فصل خاص بالأحزاب المغربية في دستور 2011 يعتبرها شريكة في السلطة ، مع الاخذ بعين الاعتبار الفرق بين بنية الحكم في فرنسا وفي المغرب ، وبما أنه لا اجتهاد مع وجود النص ، جاء الفصل 7 من الدستور الحالي ليتحدث عن المؤسسة الحزبية كالتالي :

” تعمل الأحزاب السياسية على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية.
تُؤسس الأحزاب وتُمارس أنشطتها بحرية، في نطاق احترام الدستور والقانون.
نظام الحزب الوحيد نظام غير مشروع.
لا يجوز أن تؤسس الأحزاب السياسية على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي، وبصفة عامة، على أي أساس من التمييز أو المخالفة لحقوق الإنسان.
ولا يجوز أن يكون هدفها المساس بالدين الإسلامي، أو بالنظام الملكي، أو المبادئ الدستورية، أو الأسس الديمقراطية، أو الوحدة الوطنية أو الترابية للمملكة.
يجب أن يكون تنظيم الأحزاب السياسية وتسييرها مطابقا للمبادئ الديمقراطية.
يحدد قانون تنظيمي، في إطار المبادئ المشار إليها في هذا
الفصل، القواعد المتعلقة، بصفة خاصة، بتأسيس الأحزاب السياسية، وأنشطتها ومعايير تخويلها الدعم المالي للدولة، وكذا كيفيات مراقبة تمويلها.”

لكن الإشكالية التي تعاني منها مؤسسات الدولة المغربية ، هي القصور والتنافي بين منطوق الدستور والواقع المغربي ، ويتجلى ذلك في مخالفة نص دستوري واضح ينص على أن الحكومة المغربية ، هي حكومة سياسة تتكون من الأحزاب التي كونت الأغلبية الحكومية ، لكن الحكومة الأولى والثانية اللتان جاءتا بعض دستور 2011 ، شهدتا نكوص وتناقض صريح مع الفصول التي تنظم الأحزاب، حيث تم حشو الحكومتين بالتقنوقراط وبوزراء السيادة ، وهو مايضرب في العمق الديموقراطية ، التي تعطي الحق كاملا للأحزاب في تكوين الحكومات ، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة ، من خلال معاقبة الحكومة المقصرة من طرف صناديق الاقتراع ، وبالتالي تعود السلطة الأولى والأخيرة للشعب من خلال الية التصويت ، مع الإشارة إلى أن هناك تباين بين حكومتين، إحداهما المجلس الحكومي الذي يترأسه رئيس الحكومة ، والمجلس الوزاري الذي يترأسه الملك بحضور رئيس الحكومة ، حيث ينص الفصل 48 :
” يرأس الملك المجلس الوزاري، الذي يتألف من رئيس الحكومة والوزراء.
ينعقد المجلس الوزاري بمبادرة من الملك، أو بطلب من رئيس الحكومة.
للملك أن يفوض لرئيس الحكومة، بناء على جدول أعمال محدد، رئاسة مجلس وزاري “

وينص الفصل 47 عن علاقة الملك بالحكومة في حالة التعيين أو الإعفاء :
” يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.
ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها.
للملك، بمبادرة منه، بعد استشارة رئيس الحكومة، أن يعفي عضوا أو أكثر من أعضاء الحكومة من مهامهم.
ولرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر، من أعضاء الحكومة.
ولرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر، من أعضاء الحكومة، بناء على استقالتهم الفردية أو الجماعية.
يترتب عن استقالة رئيس الحكومة إعفاء الحكومة بكاملها من لدن الملك.
تواصل الحكومة المنتهية مهامها تصريف الأمور الجارية إلى غاية تشكيل الحكومة الجديدة “

كما يحدد الفصل 89 ماهية الحكومة واختصاصاتها الإستراتجية : ” تمارس الحكومة السلطة التنفيذية.
تعمل الحكومة، تحت سلطة رئيسها، على تنفيذ البرنامج الحكومي وعلى ضمان تنفيذ القوانين. والإدارة موضوعة تحت تصرفها، كما تمارس الإشراف والوصاية على المؤسسات والمقاولات العمومية. “

كل هاته النصوص تستدعينا إلى ضرورة الخروج من هذا الأشكال عبر اجتهادات بواقع ينزل الدستور في حالة الحكومة والأحزاب تنزيلا سليما ، لأن من شأن اللجوء إلى اغتيال المفهوم النبيل للسياسة ، ومحاولة تبخيسها ، عبر اللجوء للتقنوقراط بصفة مباشرة ، أو إنزالهم في آخر لحظة فيما يسمى بالأحزاب الإدارية كتحايل معيب على الدستور ، يكرس عدم ثقتنا في الأحزاب ، ويساهم في الأزمة البنيوية التي تعيشها السياسة في علاقتها مع محيطها .

دعونا أولا نفك شفرة التقنوقراط من خلال التطرق إلى الموضوع من جميع جوانبه :

 يتكوّن المعنى الإيتمولوجي لكلمة ” تقنوقراط ” لدى الإغريق من شقين:

– تقني “Techne”

–  سلطة “Pouvoir”

، وهو بذلك يعني “سلطة التقني ” أي التأثير الذي يمارسه من يتملك المهارات والكفاءات التقنية الضرورية على القرار السياسي، أكان شخصية سياسية، أم موظفا سامياً في الدولة…والواقع أن الصورة غير المريحة التي يثيرها ” التقنوقراطي “لدى فئات عريضة من الفاعلين المتحزبين، تجد مصدرها في حكمهم عليه، أي التقنوقراطي، بالسطو على الشرعية الانتخابية التي انتزعوها من صناديق الاقتراع، ومشاطرتهم بغيرسند مشروع في تصريف الاختيارات الكبرى عبر صناعة السياسات العمومية في القطاعات التي يقودونها ؟؟؟

فبعد هاته المحاولة التي تروم ، تقديم ماهو دستوري وماهو عرفي في تعامل السلطة ، مع التقنوقراط ، لم يبقى لنا إلا اللجوء إلى ” التقنوسياسية ” كمخرج مريح للأحزاب والسلطة معا ، للحفاظ على عذرية السياسة ، وإعلاء رقبة الديموقراطية.

” والتقنوسياسية ” هي الخلط بين التقنوقراط والسياسة، والخروج بفاعلين حكوميين لهم الشرعية الحزبية وكذا التقنية ، وهي دعوى صريحة للأطر الشابة للانخراط في السياسة ، من أجل تهيئهم لتولي المناصب الحكومية في المستقبل، لتلافي الحرج الكبير للدولة أمام المجتمع الدولي ، والحقيقة أن هناك معطيات على الأرض تؤكد لجوء الأحزاب التاريخية لأبنائها التقنوقراط الذين تربو في كنف السياسية واكراهاتها، في مقابل الإنزال التي تقوم الأحزاب التي تلقب بالإدارية، التي تفاجأ المتتبعين في كل موعد مع تكوين أي حكومة ، في جلب أطر تقنية غير محزبة واقتراحها للاستوزار باسمها، ضف إلى ذلك كوطا السلطة في هذا المجال حيث تقوم بتعيين وزراء تقنوقراط لارائحة سياسية فيهم ، فضلا عن وزارات السيادة التي لم ينص عليها الدستور ، باستثناء وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي تدخل في ملعب إمارة المؤمنين للملك ، إلا أننا استمعنا لاجتهاد محترم في هذا الباب، يقضي بالحاق شق الشؤون الإسلامية بإمارة المؤمنين، وتعيين شخصية سياسية على رأس وزارة الأوقاف .

إن الغاية والمبتغى في هذا النقاش ، هو إعادة الروح للسياسية ، حتى يكون لتفعيل مبدأ ربط المسؤولية والمحاسبة صدى لدى الشعب ، وحتى نتمكن من تكريس التراكمات التي جعلت العالم ينظر إلينا كدولة تبذل اجتهادا كبيرا حتى تدخل في تطبيع جدي مع الديموقراطية .

* باحث في الفكر المعاصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *