المدير العام : نسيم السعيدي | مدير النشر : حسن الحماوي |نائب مدير النشر : عبد السلام بوستى| رئيس التحرير : محمد بودويرة | الهاتف : 0600683933
الرئيسية » الرأي » سعيد سونا يكتب: فرنسا بين العياء الديموقراطي والخريف الاروبي
سعيد سونا

سعيد سونا يكتب: فرنسا بين العياء الديموقراطي والخريف الاروبي

سعيد سونا *      

يبدو ان القارة العجوز على اعتاب ” خريف اروبي” حارق ، حيث تستعد السترات الصفراء لاكتساح أوربا، بعدما امتدت لبروكسيل وبرلين ولندن ، وفي الوقت التي تستعد فرنسا لإخراج كل أوراقها لاحتواء الموقف ، يتربص اليمين الفرنسي بماكرون لالتقاط أي انزلاق للإطاحة به والانقضاض على السلطة عبر بوابة الاحتجاجات، التي قسمت ظهر السياحة مما يهدد بركود اقتصادي تزامنا مع “الكريماس”

الحالة الفرنسية رغم أنها تقلق المتتبعين لها ، إلا أنها تبقى عادية في دولة عريقة تعيش على إيقاع عياء ديموقراطي، يشهد مواجهة بين السلطة والمتظاهرين ، لكن أركان الدولة تبقى ثابتة ، فالمظاهرات متجهة لسياسات ماكرون الاقتصادية وليس لبنية الحكم في فرنسا ، ورغم التوجه لإعلان حالة الطوارئ في البلاد ، تبقى فرنسا ممنعة ضد أي ردة على المستوى الديمقراطي ، فقد يذهب رئيس ويأتي رئيس وتستمر الشعوب الاروبية في استنشاق هواء الديموقراطية التي طبعت معه بعد نضال طويل .

ورغم ذلك تسجل النخبة الاروبية بقلق، التشابه الكبير بين الأحداث فى فرنسا، وما شهدته منطقة الشرق الأوسط قبل ما يقرب من ثمانية أعوام، مع انطلاق ما يسمى بـ”الربيع العربى”، خاصة مع اتساع نطاق المظاهرات، لتصبح غير قاصرة على فرنسا، وتمتد إلى عواصم أوروبية أخرى، من بينها بروكسل، بالإضافة إلى حالة من الحشد تشهدها دولا أخرى، على رأسها ألمانيا وبريطانيا وغيرها، وهو ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان “الخريف” الأوروبى على أبواب القارة العجوز، فى ظل معطيات مهمة لا تقتصر على دول بعينها وإنما تمتد لكافة دولها.

“فيرس” الفوضى.. الغضب يمتد من فرنسا إلى بلجيكا :

فمن جانبها، قررت الحكومة البلجيكية الاستجابة لنداءات المتظاهرين واحتجاجاتهم ضد قرارات رفع أسعار الوقود، وذلك بعد مسيرات ومظاهرات اجتاحت مختلف أرجاء البلاد تبناها ما يسمى بحركة “السترات الصفراء” ضد رجال الأمن، أدت كذلك إلى اندلاع حالة من العنف أسفرت عن أعمال فوضى، جراء قيام المتظاهرون بإغلاق عدة طرق ومحاور رئيسية وكذلك إغلاق العديد من محطات الوقود.

ولعل انتقال فوضى التظاهرات من باريس إلى بروكسل يمثل دليلا دامغا على أن ما يمكننا تسميته بـ”فيرس” الفوضى فى طريقة إلى عواصم أوروبية أخرى، لتشمل عواصم أخرى منها برلين ولندن، والتى تمر بمراحل صعبة جراء حالة الغضب الشعبى تجاه سياسات الحكومات القائمة هناك والتى أدت إلى مظاهرات عدة فى الأشهر الماضية، سواء المتعلقة بزيادة أعداد المهاجرين كما هو الحال فى ألمانيا، أو على خلفية الجدال الراهن حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى “بريكست”، وتداعيات ذلك المحتملة على الاقتصاد البريطانى.

إسقاط الرئيس.. اليمين يحاول اقتناص السلطة من بوابة الاحتجاجات :

وتمثل الدعوات الفرنسية بإسقاط الرئيس ماكرون، بادرة تبدو جديدة تماما على المشهد الديمقراطى، الذى طالما تباهت به أوروبا، لعقود طويلة من الزمن، ربما تجدا صدى كبير فى الأيام القادمة فى الدول الأخرى، مع تصاعد موجة الاحتجاجات، خاصة وأن الأمر يبدو مرتبطا بصعود تيارات اليمين المتطرف، والذى بزغ نجمه بصورة كبيرة فى القارة العجوز فى السنوات الماضية، فى ظل أجندته التى صارت تلقى قبولا كبيرا فى المجتمعات الأوروبية، بسبب مناهضتها للسياسات القائمة حاليا.

كما يبدو أن التيارات اليمينية قد تجد فى موجات الاحتجاج فى أوروبا فرصة لها، لاقتناص السلطة فى دول القارة، التى فشلوا من الوصول فيها إلى قصور الحكم عبر العملية الانتخابية، كما هو الحال فى إيطاليا، خاصة وأن خسارتهم كانت بفارق ضئيل للغاية عن الأحزاب التى نجحت فى الانتخابات، وبالتالى فتسعى تلك التيارات فى المرحلة الراهنة نحو تقديم الدعم للمتظاهرين عبر إطلاق التصريحات السياسية الداعمة لهم والحرص على المشاركة فى الميادين، لتقديم أنفسهم باعتبارهم البديل المناسب للحكومات القائمة .

ويعد النموذج الفرنسى مثالا مهما فى هذا الإطار، حيث نجحت زعيمة التيار اليمينى مارين لوبان من تقديم أوراق اعتمادها باعتبارها منافسا شرسا على السلطة، حيث خاضت جولة الإعادة فى مواجهة الرئيس الحالى إيمانويل ماكرون، بينما جاءت خسارتها بفارق ضئيل من الأصوات، وبالتالى فهى ترى أن المظاهرات الحالية هى فرصة ربما لا تتكرر لإحياء حلم دخول “الإليزيه” من بوابتها، بعدما فشلت فى دخوله من بوابة الانتخابات.

ركود اقتصادى.. السياحة والطيران أبرز الخاسرين
ولم تقتصر الحالة الأوروبية الحالية على الأوضاع السياسية المتأزمة، وإنما تمتد إلى الأوضاع الاقتصادية، والتى تمثل السبب الرئيسى لخروج المتظاهرين، حيث أن استمرار الفوضى الحالية ربما ينذر بركود العديد من القطاعات فى المرحلة المقبلة، وعلى رأسها قطاع السياحة، والطيران، فى ظل العزوف المتوقع عن السفر إلى الدول التى تعانى من جراء الفوضى.

وربما يمثل توقيت الاحتجاجات، والذى يأتى قبل أسابيع قليلة من موسم “الكريسماس”، بمثابة طامة كبرى على قطاع السياحة والذى ينتعش فى العديد من العواصم الأوروبية، كما أن قيام بعض القطاعات بتنظيم إضرابات فى المرحلة الراهنة ربما يدفع إلى توقف عجلة الانتاج فى العديد من القطاعات الأخرى، وهو ما ينذر بمزيد من التدهور الاقتصادى فى المرحلة المقبلة.

* باحث في الفكر المعاصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *