المدير العام : نسيم السعيدي | مدير النشر : حسن الحماوي |نائب مدير النشر : عبد السلام بوستى| رئيس التحرير : محمد بودويرة | الهاتف : 0600683933
الرئيسية » الرأي » سعيد سونا يكتب: المجلس الأعلى للحسابات .. نمر بلا أنياب
سعيد سونا

سعيد سونا يكتب: المجلس الأعلى للحسابات .. نمر بلا أنياب

سعيد سونا *            

لعل من المواضيع التي لم تحضى باهتمام الأكاديميين، ورجال القانون على وجه الخصوص، رغم راهنياتها ورغم المجهود القانوني الذي بذل من أجل إخراجها لحيز الوجود ، خصوصا في ظل إرتفاع منسوب المطالبة بمحاربة الفساد ، وتطبيق البند الدستوري المتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة ، تلك المتعلقة بالقضاء المالي في المملكة ، الذي عزز نظريا الحكامة الجيدة في أبعادها الأربعة :

– اعمال القانون
– الشفافية
– ربط المسؤولية بالمحاسبة
-تثمين الموارد البشرية

ويبقى السؤال المعلق في المنظومة القانونية المالية في المغرب ، حول مدى جدية القرار السياسي في الذهاب بعيدا في تطبيق النصوص إلى أبعد مداها، لكون القرار القضائي يقوم بمجهود مقبول في هذا الجانب ، رغم بعض المعوقات القانونية .

ونتتبع باهتمام كبير بعض الزوبعات المناسباتية، التي تصاحب بعض القرارات الزجرية، التي تأتي تباعا، لتقارير “المجلس الأعلى للحسابات ” من قبيل ماسمي شططا ” الزلزال السياسي ” رغم أنه مجرد قرار خافت لايقوى على الدفاع عن نفسه ، في الشق المتعلق بمتابعة المقصرين قضائيا حتى يأخذ القانون مجراه العادي ، تماهيا مع أركان دولة الحق والقانون ، لا ميزاجية دولة الحق والقانون ، والحديث هنا على سبيل المثال لا الحصر ، إعفاء الملك لبعض الوزراء جراء “تقصيرهم ” في تأدية مهامهم، وذهابهم إلى منازلهم دون أن تتبعهم مقصلة القضاء .

ويعتبر المجلس الأعلى للحسابات ، الذراع القانوني المالي للدولة في جانب الحكامة المالية، لكنه يبقى كنمر بلا أنياب .. فما فائدة الشراسة اذا لم تنتهي في البطن … فالنمر يبذل مجهودا خرافيا لمطاردة فريسته ، وعندما يتمكن من الإمساك بها ، يتذكر انه بلا أنياب ، أي أن العملية نجحت لكن المريض مات … نعم زرع الرعب في قلبها ، وقام بتجريح جسدها ، لكنه لم يلتهمها، كذلك المجلس الأعلى للحسابات، تصاحب جولاته الكثير من الخوف والتوجس في قلوب المسؤولين ، ثم يصدر تقارير في حق هاته الجهات ، لكن في الأخير تنتهي هاته التقارير على درج اسود من كثرة التقارير المخيفة لكن بدون أنياب .

والمعيب في الأمر ، عندما تدخل السياسة ، إلى نبل مرامي القانون، فتقوم بتسيسه، وبالتالي إفساده، خاصة عندما يزيغ فساد الانتقائية ، في التعامل مع ملفات المجلس الأعلى للحسابات، فتراه يقسو على البعض ويتجاوز عن البعض الآخر ، مما أفقد هاته المؤسسة القانونية الاستراتجية هيبتها وقوتها.

ومن جانب آخر يثير بعض الفقهاء في القانون المالي ، إشكالية وضع تقارير المجلس الأعلى للحسابات، على طاولة النيابة العامة للقانون العام ، وهذا ماقد يجعل النمر يفقد مخالبه بعدما فقد أنيابه، جراء عدم اكتمال المنظومة القانونية المالية في المغرب ، فكيف يعقل أن يبقى منصب الوكيل العام للمجلس الأعلى للحسابات شاغرا منذ تأسيسه رغم الدور القانوني المحوري الذي يضطلع به ، طبقا للقانون رقم 11.26 المتعلق بمدونة المحاكم المالية ، حيث ينص الفرع الثالث من المادة 91 للمحاكم المالية عن دور الوكيل العام للملك .

الفرع الثالث: الوكيل العام للملك
المادة 91
يمارس مهام النيابة العامة الوكيل العام للملك ، ويساعده محامون عامون. وإذا تغيب أو  عاقه ناب عنه أحد المحامين العامين الذي يعينه سنويا لهذا الغرض.

يمارس الوكيل العام للملك مهام النيابة العامة بإيداع مستنتجات أو ملتمسات، ويقوم  بمهام النيابة العامة في المسائل القضائية المسند النظر فيها إلى المجلس.

وتبلغ إليه التقارير المتعلقة بالختصاصات القضائية للمجلس.

ويحيل على المجلس العمليات التي قد تشكل تسييرا بحكم الواقع.

ويلتمس من الرئيس الأول فيما إذ ا وقع تأخير في الإدلاء بالحسابات، تطبيق الغرامة  المنصوص عليها في المادة 11 من هذا القانون.

ويحضر جلسات هيئات المجلس، وعندئذ يمكن أن يقدم ملاحظات جديدة، كما يجوز له أن يعين محاميا عاما لتمثيله في هذه الجلسات.

وينسق ويراقب عمل النيابة العامة لدى المجالس الجهوية.

ويتوفر الوكيل العام للملك على كتابة للنيابة العامة.

ورغم كل هاته الإختصاصات، لازال المجلس الأعلى للحسابات يشتغل بإعاقة كبيرة ، في غياب الوكيل العام للملك .

وبما أنه لا اجتهاد مع وجود النص ، لابد أن نعود لبوابة وزارة العدل ، حتى نتمكن من إعطاء البديل القانوني الذي يملأ الفراغات والذي اجتهد فيه جمهور فقهاء القانون في المغرب .

حيث تؤكد وزارة العدل ان المغرب حرص على غرار الدول المتطورة، على الارتقاء بالمجلس الأعلى للحسابات إلى مصاف مؤسسة دستورية تضطلع بدور المساهمة الفعالة في عقلنة تدبير الأموال العامة و تمارس كليا وظيفتها كمؤسسة عليا للرقابة مستقلة بذات الوقت عن السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية.

و هكذا وضح الباب العاشر من الدستور بأن المجلس الأعلى للحسابات يتولى ممارسة الرقابة العليا على تنفيذ القوانين المالية و يبذل مساعدته للبرلمان و الحكومة في الميادين التي تدخل في نطاق اختصاصاته بمقتضى القانون، و يرفع إلى جلالة الملك نصره الله بيانات جميع الأعمال التي يقوم بها في إطار تقريره السنوي.

و فضلا عن ذلك و في إطار سياسة اللامركزية، نص الدستور على إحداث المجالس الجهوية للحسابات المكلفة بمراقبة حسابات الجماعات المحلية و هيئاتها و كيفية قيامها بتدبير شؤونها.

و لقد تم تتويج المقتضيات الدستورية بإصدار القانون رقم 99-62 المتعلق بمدونة المحاكم المالية بتاريخ 13 يونيو 2002.

و هكذا تم توضيح الوظائف المخولة للمحاكم المالية بشكل أكثر جلاء بهدف تأمين ممارسة رقابة مندمجة و إقامة أفضل توازن في مسؤوليات الخاضعين للرقابة و الوصول بالتالي إلى نظام عقوبات و متابعات أكثر عدلا و إنصافا لهم.

و ينبغي التذكير بأن أهم الرقابات الممارسة من قبل المحاكم المالية تهم الرقابة القضائية على مدى قانونية العمليات المالية و مدى مطابقتها للنصوص (البث في الحسابات، التسيير بحكم الواقع و التأديب المتعلق بالميزانية و الشؤون المالية)، و مراقبة التسيير المركزة على تقييم نتائج أداء الوحدات المراقبة من حيث الفعالية و الاقتصاد و الكفاية.

وبعد هذا التوضيح الذي يؤكد على أهمية المجلس الأعلى للحسابات ، كمؤسسة قضائية ، مستقلة عن المؤسسة التنفيذية والتشريعية ، وجب على فقهاء القانون أن يدفعوا، باتجاه جعل هاته المؤسسة ، تستكمل أجهزتها، وتطور نفسها ، حتى تتمكن من محاربة الفساد بالجدية اللازمة ، دون أن نغفل وجود إرادة سياسية قوية لدعم هاته المؤسسات ، لأن ضعف أداء المجلس الأعلى للحسابات هو مؤشر على غياب الديموقراطية ؟؟؟

ونقترح في هذا المجال ، احداث قانون مالي متماسك ، يتمتع بالتراتبية، والنجاعة التامة ، خصوصا أن الأمر هنا يتعلق بالمال العام للدولة وللمواطنين .

فقد حان الوقت لتعيين الوكيل العام للملك للمجلس الأعلى للحسابات ، لكي يضطلع برئاسة النيابة العامة ، للمحاكم المالية المنتشرة في 12 جهة من التراب الوطني ، مع جعل هاته المحاكم محاكم فعلية على غرار محاكم القانون العام ، حيث تتوفر على الدرجات الثلاث للتقاضي، الابتداءي والاستئنافي والنقض، كما تتوفر على قضاة ووكيل الملك والوكيل العام للملك حسب درجات التقاضي ، وعلى كتاب عامون وكتاب الضبط، ومحريرين، وباقي الطاقم الإداري ، وتشرع هاته المحاكم بمتابعة مهامها باستقلال عن القضاء العام ، أي الانتقال من وضع تقارير المجلس الأعلى للحسابات على طاولة النيابة العامة للقضاء العام ، إلى لعب نفس دور القضاء العام في متابعة المتهمين لكننا هاته المرة أمام محكمة مختصة في كل هو مالي .

الأمر هنا يتطلب انشاء قانونا هاما يدعى القانون المالي ، على غرار القانون الجنائي، ببنود ومواد … حتى يتمكن المواطنون من رفع شكاياتهم، وتتمكن النيابة العامة في التعامل معها بناء على مواد القانون المالي ، وبالتالي اصدار الحكم بالبراءة أو السجن الموقوف أو النافذ أو غرامات مالية ، كما يمكن للنيابة العامة أن تحرك المتبعة في أي قضية ذات طابع مالي .

ومن هنا تظهر نية الدولة في مدى جديتها في محاربة المفسدين ، وتعزيز القضاء المغربي بقانون خاص ، يكتسي طابعا استرتجيا لكونه يحمي المال العام ، ويقوي من اقتصاد المملكة ، ومن خلال تتبع التجربة ، سنرى من بعد هل بإمكاننا تأسيس محاكم محلية في المدن الكبرى والمتوسطة ، أو الاقتصار على المحاكم الجهوية فقط .
لكن الامر المؤكد أن المحاكم المالية بالتعديلات التي اقترحناها، ستتجاوز مراقبة مالية الجماعات الترابية فقط ، إلى مراقبة كل مايمس المال العام ، وبالتالي يكون المجلس الأعلى للحسابات نمر بأنياب ومخالب قوية .

* باحث في الفكر المعاصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *