المدير العام : نسيم السعيدي | مدير النشر : حسن الحماوي |نائب مدير النشر : عبد السلام بوستى| رئيس التحرير : محمد بودويرة | الهاتف : 0600683933
الرئيسية » الرأي » سعيد سونا يكتب : الإستبداد المتنور …أردوغان نموذجا 

سعيد سونا يكتب : الإستبداد المتنور …أردوغان نموذجا 

سعيد سونا *               
يقول وليام شكسبير : ” حشد العقلاء أمر معقد للغاية ، أما حشد القطيع فلايحتاج سوى لفن الخطابة فقط ” هو الأمر كذلك إذا أخضعنا ظاهرة الرئيس التركي طيب رجب أردوغان ، للتمحيص العلمي،  بذاكرة متوقدة،  تعود للزمن السحيق للتأسيس لنظام حكم استبدادي متنور، يشد دهره بالحماسة الشعبوية،  والخطاب الديني المضلل،  الذي يجعل ألسنة الجماهير تلهج بزعيمها، الذي سرعان ما تضيق عليه الدوائر ، بحقائق صادمة أراد لها أن تطوى ولا تروى.  
 ملاحظة : ” سنأصل ونحيط بهاته الظاهرة من كل الجوانب في عدة محاور سنأتي عليها  في هاته المقالة “
أردوغان المستبد المتنور ، الذي جعل الاقتصاد سلاحه في جعل كل السلطات والقيم في جيبه الأيمن ، والشعبوية وفن الخطابة خاصرته الرخوة في خلق وهم الزعامة الدينية في جيبه الأيسر ،أردوغان كذلك هو الخطيب الشعبوي المفوه،  القادر على إقناع عقول الجماهير ، أن بإمكانه  تحويل الماء إلى لبن ، فهو الزعيم الإسلامي المنافح على القضايا الحيوية للمسلمين جهرا، والمتآمر سرا وواقعا مع أعداء المسلمين ، هو كذلك الرجل الذي جعل الشعب التركي يعيش في ثورة اقتصادية باذخة، قتل من خلالها البطالة ، والفقر ، والهشاشة…وحسن من مردود الصحة والسكن  والتعليم والتطور التكنولوجي للبلد … لكنه في المقابل تجده يختزل كل السلطات في شخصه فهو رئيس الدولة والبرلمان والقضاء ، عبر تعيين كراكيز تابعة له ، مع اغتيال كل آليات الوساطة ، من أحزاب ونقابات ومجتمع مدني ، من خلال التأسيس لنظام الحزب الواحد ، مع تأثيث المشهد بأحزاب تعطيه الشرعية بضعفها وقلة حيلتها، أما حرية التعبير والرأي فكان آخر ضحاياها صديقه المفكر العظيم عبد الله غولن المنفي في أمريكا.  
فهاهو يرفع من منسوب الدين الإسلامي،  في كل خطبه السياسية ، حتى يشبع جوع المسلمين الى قائد يحرك فيهم حلم عودتهم للزمن الجميل ، وهاهو أيضا يستقبل العجزة والمعاقين والفقراء في قصره تحت أضواء الكاميرات … ثم تراه يحتج على بريز في وجود الإعلاميين، لكنه سرعان مايعود لحقيقته في علاقته الأبدية مع الكيان الصهيوني في جنح الليل ، حيث ستكذب المعطيات التي سنسردها في محور علاقته بإسرائيل فرية الزعيم الأوحد في العالم الإسلامي. 
قد يقول البعض مالفرق بين الاستبداد وبين الاستبداد المتنور لاردوغان ، أما هذا الأخير فيعتمد على الفعالية الاقتصادية والاجتماعية مع قتل الديموقراطية وحرية الرأي ، وأما الأول فهو الحكم المطلق الذي لافعالية اقتصادية معه ولا حرية ولاديموقراطية حيث تسير الدولة على هوى الحاكم الإله .
وإذا أردنا التوسع بعض الشيء في الأمرين ، فالاستبداد المطلق في موسوعة السياسة فيعني ” حكم أو نظام يستقل بالسلطة فيه فرد أو مجموعة من الأفراد دون خضوع لقانون أو قاعدة ودون النظر إلى رأس المحكومين.” وتضيف الموسوعة تعريفا لمحمد عبده لنفس الكلمة:” المستبد عرفا من يفعل ما يشاء غير مسؤول ويحكم بما يقضي به هواه”، كما يذهب البعض إلى إعتبار الاستبداد ” يعني الحزم وعدم التردد في إتخاذ القرار وتنفيذه ومن هنا جاءت عبارة “إنما العاجز من لايستبد ” وهنا عندما يكون مقرونا بالمدح .
وبالنسبة للكواكبي فالاستبداد هو ” التصرف في الشؤون العامة بمقتضى الهوى ” حكم الحزب الواحد أو المجالس الثورية أو العسكرية وتعطيل الحكم الذين يرزحون تحته ،  بنظرية التسليم لولي الأمر الذي يمثل ثقله إرادة الله …؟؟؟

أما الحكم المستنير أو المقنع فيراه البعض بأنه ” باب من أبواب الإلتفاف على كفاح العقل المستنير، والتفكير المعاد للديمقراطية ، وهو أمر متجاوز بحكم عصر الأنوار، حتى أنه ارتبط ارتباطا وثيقا بميكافيلي. الميكيافيلية التي باتت منبوذة من منظور القيم الإنسانية والأخلاقية في منظومات الداخلية لشعوب ودول ديموقراطية عريقة، التي تسير تحت مباىء العقد الإجتماعي.
وفي القيم الأوربية في العصر الحديث، فهي تتبنى قيم عصر الأنوار، بينما داخليا لا تسير على منوال ميكافيلي الذي لفضته من جسدها ومنظومتها الدخلية، تحت كذبة الحكم المطلق المستنير، وهي بذلك تضمن لنفسها استمرارية الإستقرار الإجتماعي والسياسي والعلمي والتقني بتحقيق الدولة المنسجمة، بينما الحكم المطلق كيفما كان وتحت أي غطاء، فلن يستطيع تحقيق ميكانيزمات الدولة المنسجمة المبنية على المساواة وتكافؤ الفرص.
فبعد هاته المعطيات المختصرة ، لابد لنا من التدليل على صوابية اطروحتنا، بالتحليل والتطويق الأكاديمي للظاهرة من كل جهة ، وفي عدة محاور يمكن إجمالها فيما يلي : 
– تركيا من مركز للحكم العثماني إلى جمهورية مصطفى كمال أتاتورك. – من هو أردوغان الإنسان والسياسي – ماخفي من علاقة متينة بين أردوغان وإسرائيل – هكذا أفشل أردوغان الإنقلاب العسكري 
1 – تركيا من مركز للحكم العثماني الى جمهورية مصطفى كمال أتاتورك :  
 تركيا دولة علمانية ديمقراطية، وحدوية، جمهورية دستورية ذات تراث ثقافي قديم، أصبحت تركيا متكاملة على نحو متزايد مع الغرب من خلال عضويتها في منظمات مثل مجلس أوروبا وحلف شمال الأطلسي، منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، منظمة الأمن والتعاون في أوروبا وفي مجموعة العشرين  “اقتصادات الرئيسية في العالم”. وبدأت تركيا مفاوضات العضوية الكاملة مع الاتحاد الأوروبي في عام 2005، مع العلم أنها كانت عضوًا منتسباً لـ السوق الأوروبية المشتركة منذ عام 1963، وفي عام 1995، تم التوصل إلى اتفاق الاتحاد الجمركي. وقد عززت تركيا أيضًا علاقات ثقافية وثيقة وسياسية واقتصادية وصناعية مع الشرق الأوسط، والدول التركية في آسيا الوسطى والبلدان الأفريقية من خلال عضويتها في منظمات مثل مجلس تركيا، والإدارة المشتركة للفنون والثقافة التركية، ومنظمة التعاون الإسلامي ومنظمة التعاون الاقتصادي. موقع تركيا على مفترق الطرق بين أوروبا وآسيا جعل منها بلداً ذات أهمية جيواستراتيجية كبيرة، ونظرا لموقعها الاستراتيجي، والاقتصاد والقوة العسكرية الكبيرة، تعدّ تركيا قوة إقليمية كبرى.
يقع مضيقا البوسفور والدردنيل وبحر مرمرة – التي تصل البحر الأسود ببحر إيجة وتصل آسيا بأوروبا – في أراضيها مما يجعل موقعها استراتيجيا ومؤثراً على الدول المطلة على البحر الأسود.
كانت تركيا مركزا للحكم العثماني حتى عام 1922م إلى أن تم إنشاء الجمهورية التركية عام 1923 على يد مصطفى كمال أتاتورك. 

2 – من هو أردوغان الإنسان والسياسي : 
رجب طيب أردوغان (ولد في 26 فبراير 1954)، هو رئيس جمهورية تركيا الثاني عشر والحالي منذ 28 أغسطس 2014م، ويعد أول رئيس تركي اختاره الشعب بطريق الاقتراع المباشر، انتخب رئيسا للجمهورية مرة ثانية في انتخابات مبكرة في 24 يونيو 2018 وتسلم سلطاته في 9 يوليو 2018 ليصبح أول رئيس تركي يدشن النظام الرئاسي ، ورئيس وزراء تركيا من مارس 2003 حتى أغسطس 2014 وقبل هذا كان عمدة مدينة إسطنبول التركية من 1994م إلى 1998م. ورئيس حزب العدالة والتنمية الذي يملك غالبية مقاعد البرلمان التركي.
انضم أردوغان إلى حزب الخلاص الوطني بقيادة نجم الدين أربكان في نهاية السبعينات، لكن مع الانقلاب العسكري الذي حصل في 1980 بقيادة الجنرال كنعان إيفيرين، تم إلغاء جميع الأحزاب السياسية، وبحلول عام 1983 عادت الحياة الحزبية إلى تركيا وعاد نشاط أردوغان من خلال حزب الرفاه الإسلامي، خاصةً في محافظة إسطنبول.
في عام 1989 دخل حزب الرفاه الإسلامي الانتخابات البلدية، وبدأ يحقق نتائج جيدة، وقد ترشح أردوغان في بلدية باي أوغلو”سنة، نظرا لديناميته وحيويته وقدرته الفائقة على التحرك، وهدم الحواجز التي كان يضعها أعضاء الحزب الإسلامي بينهم وبين الشعب. لكنه خسر تلك الانتخابات، وبحلول عام 1994 رشح حزب الرفاه الإسلامي أردوغان إلى منصب عمدة إسطنبول، واستطاع أن يفوز في هذه الانتخابات خاصةً مع حصول حزب الرفاه الإسلامي في هذه الانتخابات على عدد كبير من المقاعد.
تأسيس حزب العدالة والتنميةعام 1998 اتهم أردوغان بالتحريض على الكراهية الدينية تسببت في سجنه ومنعه من العمل في الوظائف الحكومية ومنها الترشيح للانتخابات العامة بسبب اقتباسه أبياتاً من شعر تركي أثناء خطاب جماهيري  يقول فيه :
مساجدنا ثكناتنا قبابنا خوذاتنا مآذننا حرابنا والمصلون جنودنا هذا الجيش المقدس يحرس ديننا لم تثنِ هذه القضية أردوغان عن الاستمرار في مشواره السياسي بل نبهته هذه القضية إلى كون الاستمرار في هذا الأمر قد يعرضه للحرمان الأبدي من السير في الطريق السياسي كما حدث لأستاذه نجم الدين أربكان، فاغتنم فرصة حظر حزب الفضيلة لينشق مع عدد من الأعضاء منهم عبد الله غول وتأسيس حزب العدالة والتنمية عام 2001. ومنذ البداية أراد أردوغان أن يدفع عن نفسه أي شبهة باستمرار الصلة الحزبية والفكرية مع أربكان وتياره الإسلامي الذي أغضب المؤسسات العلمانية مرات عدة، فأعلن أن حزب العدالة والتنمية سيحافظ على أسس النظام الجمهوري ولن يدخل في مماحكات مع القوات المسلحة التركية وقال “سنتبع سياسة واضحة ونشطة من أجل الوصول إلى الهدف الذي رسمه كمال أتاتورك لإقامة المجتمع المتحضر والمعاصر في إطار القيم الإسلامية التي يؤمن بها 99% من مواطني تركيا.
3 – ماخفي في علاقة أردوغان بإسرائيل : 

تركيا وإسرائيل.. علاقة متينة خلف ستار المتاجرة بقضية فلسطين 
رغم أن العلاقات الرسمية التركية الإسرائيلية بدأت في مارس عام 1949، وأصبحت تركيا أول دولة ذات أغلبية إسلامية تعترف بإسرائيل كوطن قومي لليهود على حساب الفلسطينيين، إلا أن النظام التركي لا يترك مناسبة إلا ويتاجر بالقضية الفلسطينية بالكلمات الرنانة في محاولة خداع دأب عليها.
إسرائيل وتركيا تطبعان العلاقات بينهما: كيف ولماذا؟ 
تركيا التي تجمعها علاقات اقتصادية وعسكرية وسياحية هي الأقوى مع الاحتلال الإسرائيلي، يواصل نظامها بزعامة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اللعب على مشاعر المسلمين حول العالم من خلال أقوال باتت مكشوفة للرأي العام، وخاصة أنها لا تقترن بأفعال على الأرض.
 – رجب طيب أردوغان مع رئيس الحكومة أرئيل شارون خلال زيارة سابقة لإسرائيل :
العلاقات التركية الإسرائيلية ظلت قوية منذ بدايتها ولم تتوتر ولو ظاهريا حتى بعد تولي أردوغان الحكم بست سنوات، حين انتقد سلوك إسرائيل خلال الحرب على غزة عام 2009 بهدف كسب شعبية زائفة بين الجماهير التركية والعربية والإسلامية دون المساس بالتحالف القوي مع دولة الاحتلال. 
مسرحية أردوغان المفبركة : 
إن كانت بعض النظريات السيكولوجية تنحو لاعتبار الزعيم وإثارة الجلبة والانفعال الزائد عن الحد، سلوكا تعويضيا لدرء تهمة ما وإظهار عكسها، فكذلك هو أمر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع القضية الفلسطينية.
ففي جميع تصرفاته التي يعمل جاهدا من خلالها على الظهور بمظهر المتبني الأوحد لقضية الشعب الفلسطيني، مزايدا على الآخرين، يتخذ أردوغان أساليب تهييجية وانفعالية، علها تغطي على حقيقة كونه الرئيس الوحيد الذي شهد عهده انتعاشا في العلاقات بين أنقرة ودولة الاحتلال الإسرائيلي.
أردوغان: تركيا بحاجة إلى إسرائيل
فالعلاقات التركية الإسرائيلية والتي انطلقت عام 1949، لم تتأثر بتولي حكومة العدالة والتنمية الإخوانية مقاليد الحكم في تركيا عام 2002، ليعمل الحزب على تعزيز الاتفاقات السابقة مع إسرائيل، غير آبه بتناقض خطابه الذي يظهر حماسه للقضية الفلسطينية، ويبطن تعزيزا للتجارة والعلاقات العسكرية مع الكيان الصهيوني.
اتفاق التطبيع بين تركيا وإسرائيل
ولم يقتصر تعاون أردوغان مع الاحتلال الإسرائيلي على الاتفاقيات السابقة لينقل العلاقة مع تل أبيب إلى مرحلة “الاستراتيجية”، فحتى مسرحية أردوغان بانسحابه من قمة دافوس في العام 2009، لم تؤثر على الاتفاقيات العسكرية بين البلدين، والتي تجعل من إسرائيل المورد الأول للأسلحة بالنسبة لتركيا. 
تعاون عسكري يكذب الولاء لفلسطين :
تركيا التي تعد ثاني دولة بعد الولايات المتحدة تحتضن أكبر مصانع أسلحة للجيش الأسرائيلي، زادت التعاون العسكري مع إسرائيل منذ الاحتلال التركي لشمال جزيرة قبرص عام 1978، والذي أدى إلى عقوبات أمريكية أوروبية على قطاعها العسكري واعتمدت أنقرة آنذاك على الجانب الإسرائيلي في تحديث الجيش التركي. 
– لقاء سابق بين الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز وأردوغان :
وظلت الاتفاقيات العسكرية التي بدأت بـتحديث (F – 4) فانتوم تركيا وطائرات (F – 5) بتكلفة 900 مليون دولار، مرورا بترقية إسرائيل لـ170 من دبابات M60A1 لتركيا مقابل 500 مليون دولار، قائمة، وصولا للاتفاق الذي يقضي بتبادل الطيارين العسكريين بين البلدين 8 مرات في السنة.
هذا الاتفاق الذي يعمل على تدريب وصقل قدرات الطيارين الإسرائيليين ليصوبوا على رؤوس الفلسطينيين بدقة، في تناقض مربك لموقف الرئيس التركي وحزبه تجاه القضية الفلسطينية. 
نوايا خبيثة أردوغان الذي لطالما اكتفى بالصياح في دعم الفلسطينيين لا يتوانى كذلك عن تعميق هوة الانقسام في صفوفهم عبر الدعم المستمر لحركة “حماس”، وتجاهل التعامل مع السلطة الفلسطينية، إلى جانب تعزيز التبادل التجاري والعسكري مع عدوهم الذي يحتل أرضهم. 
أردوغان والجماعات الإرهابية.. شراكة على دماء الشعوب ولا تنفصل لعب أردوغان بالقضية الفلسطينية والتي وصفها وزير الاستخبارات والمواصلات الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، في حديثه لصحيفة “معاريف” العبرية في سبتمبر الماضي بـ”فريمني” أي الصديق العدو، عن طموحه بالسيطرة على المنطقة العربية على أجنحة تنظيمات الإسلام السياسي المنبوذة. 
فالوزير الإسرائيلي يشير إلى أنهم لا يأبهون لعنتريات أردوغان ضدهم خلال وسائل الإعلام، طالما أنها لا تمنعه من جعل حجم التجارة عبر حيفا نحو 25% من تجارة تركيا مع دول الخليج العربي. 
ويشير إلى أن دولة الاحتلال الإسرائيلي تتعايش مع أردوغان، بالرغم من مسرحياته، وهي تعي أنه يعتبر نفسه قائد الإخوان المسلمين بالعالم ويحاول أن يقود العالم الإسلامي. 
أردوغان في متحف الهولوكوست خلال زيارة سابقة لإسرائيل
كما أن خطابات أردوغان الشعبوية بخصوص القضية الفلسطينية لا تختلف كثيرا بحسب محللين عن هتافات جماعة الإخوان التي سلمت نفسها لأردوغان بسذاجة،  ممنيا نفسه بخلافة إسلامية شبيهة بحقبة الاحتلال التركي للدول الإسلامية. 
وكذلك اقتصار الدعم التركي في عهد أردوغان على حركة “حماس”، واستضافة أنقرة لتجمعات الإرهابيين المطلوبين وإنشائها لإذاعات ومحطات بث تلفزيونية للتبشير بمشروع الإخوان القائم على هدم الدولة الوطنية الحديثة، يماثل في هتافيته مواقف أردوغان الإرتجالية بخصوص العلاقة مع إسرائيل، في أي من هذه النقاط يحتشد بآلاف التناقضات. 
تبادل تجاري يكذب القطيعة : 

كل هذه الأمور لم تمثل عائقا أمام وصول التبادل التجاري بين تل أبيب وأنقرة إلى مبالغ كبيرة وخيالية، بل على العكس، فإن شركات الطيران التركية تعد أكبر ناقل الجوي من وإلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، كما أن حجم التبادل التجاري ونقل البضائع عبر حيفا ازداد كثيرًا حتى قبل عودة العلاقات بعد أزمة السفينة مرمرة. 
وتعتبر إسرائيل واحدة من أهم 5 أسواق تسوّق فيها تركيا بضائعها، حيث بلغت المبادلات التجارية بين البلدين في العام 2016 أكثر  من 4.2 مليار دولار لترتفع بنسبة 14% في العام 2017. 
التبادل التجاري يزداد خلال سنوات القطيعة :
ففي الربع الأول من العام الماضي 2017 ارتفعت الصادرات التركية إلى إسرائيل بنسبة 20% في حين أن الصادرات الإسرائيلية إلى تركيا ارتفعت بنسبة 45%. 
ووصل التبادل التجاري بين إسرائيل وتركيا إلى 3.9 مليار دولار سنويا، حيث يقول المسؤولون الإسرائيليون والأتراك إنهم يطمحون لرفعه إلى 10 مليارات دولار في غضون السنوات الخمس المقبلة. 
وفي عام 2013 أشار مدير سلطة الطيران المدني الإسرائيلي إلى أن شركات الطيران التركية تقوم بأكثر من 60 رحلة جوية أسبوعياً إلى إسرائيل، وتنقل بين إسرائيل وتركيا أكثر من مليون مسافر سنويا، حيث تعتبر تركيا من بين الوجهات المفضلة للإسرائيليين. 
بالأرقام الأممية.. تركيا لا تدعم الفلسطينيين :
ورغم كل الأموال التي ينفقها النظام التركي على الترويج الإعلامي لخلق فكرة وهمية أنه يدعم القضية الفلسطينية والفلسطينيين أكثر من غيره، يأتي تقرير صادر عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) التابعة لمنظمة الأمم المتحدة .ويرصد التقرير الذي صدر العام قبل الماضي أهم المتبرعين والداعمين للفلسطينيين واللاجئين منهم على مستوى العالم، ومن بين أهم 20 داعما ومتبرعا لا يظهر اسم تركيا ولا قطر ولا إيران على الإطلاق. 
ولكن يمكن بوضوح رؤية اسم المملكة العربية السعودية في المركز الرابع بإجمالي يصل إلى 96 مليون دولار تقريبا في عام واحد. وجاءت الكويت في المركز الثامن، بإجمالي 32 مليون دولار. أما الإمارات العربية المتحدة فجاءت في المركز الـ12 بإجمالي 17 مليون دولار تقريبا. 
وحتى في قائمة أكبر 20 داعما “غير حكومي” للاجئين الفلسطينيين عالميا، اختفت أسماء قطر وتركيا وإيران، بينما يمكننا رؤية اسم بنك التنمية الإسلامي في جدة بالمركز الثاني على مستوى العالم، بإجمالي تبرعات بلغت 40 مليون دولار. وجاء بعده الهلال الأحمر الإماراتي بأكثر من 8 ملايين دولار. 
نشاطات تركية في تل أبيب : 
وعلى الرغم من التصريحات التي يصدرها مسؤولون أتراك، على رأسهم أردوغان ضد إسرائيل، إلا أن السفارة التركية في تل أبيب لا تتوقف عن تنظيم الفعاليات التركية في إسرائيل. 
جانب من الاحتفال الإسرائيلي في السفارة التركية بتل أبيب :
فمن معرض للأثاث تنظمه وزارة الاقتصاد التركية في مدينة تل أبيب، إلى احتفال السفارة التركية بـ”اليوم التركي” في القدس الغربية، وصولا إلى الاحتفال بعيد “الحانوكاه” اليهودي، يظهر التناقض الكبير بين الأقوال التي يطلقها الأتراك وعلى رأسهم الرئيس رجب طيب أردوغان، وبين الأفعال على الأرض. 

– 5 هكذا أفشل أردوغان “الإنقلاب ”  العسكري الذي كاد أن يطيح به : 

هكذا أفشل أردوغان الانقلاب الذي كاد يطيح به :
مثلت تلك الليلة بالنسبة لكثير من الأتراك ولادة جديدة للأمة التركية المعاصرة. وبث الرئيس أردوغان أثناء سفره من مارماريس الى إسطنبول رسالة مصورة نقلها التلفزيون التركي حث فيها المواطنين على الخروج الى الشوارع ومواجهة المحاولة الإنقلابية.واستجاب الأتراك لدعوة أردوغان بقوة، وقتل 265 شخصا في المواجهات التي جرت بين المواطنين والإنقلابيين.
فقد ألقى البعض بأجسادهم أمام دبابات الإنقلابيين لمنعها من التحرك، بينما تعرض آخرون لنيران الإنقلابيين على جسر البوسفور في اسطنبول في محاولتهم دحر المتآمرين.
وبحلول الفجر، تبين أن المحاولة الإنقلابية قد فشلت.للمرة الأولى منذ تأسيس الجمهورية التركية في عام 1923، نجح الشعب في الوقوف بوجه دبابات العسكر. فقد شهدت تركيا في العقود الماضية أربعة انقلابات عسكرية ناجحة، ولكن أردوغان نجح في منع نجاح انقلاب خامس.عقب فشل المحاولة الإنقلابية، تجمع الملايين في تظاهرات ليلية، هاتفين بإسم أردوغان ومنشدين نشيد حملته الانتخابية.
وفي غضون ساعات، تحول أردوغان من رئيس كاد يفقد السيطرة على بلاده الى زعيم لا يمكن مواجهته.ولكن ذلك لم يكن كافيا لأقوى زعيم شهدته تركيا منذ مؤسس الدولة مصطفى كمال أتاتورك. فبعد 11 سنة قضاها في رئاسة الحكومة، انتخب أردوغان رئيسا للدولة في عام 2014.
ورغم أن منصب رئيس الدولة يعد تقليديا منصبا فخريا في تركيا، كانت لأردوغان نوايا أخرىفباعتباره الشخصية المهيمنة على المشهد السياسي التركي، كان يحلم منذ أمد بعيد بتوطيد سلطته عن طريق تعديل الدستور بحيث تتحول تركيا من النظام البرلماني الى النظام الرئاسي، نظام يلغي منصب رئيس الحكومة ، وبالفعل وافق الناخبون الأتراك في استفتاء أجري في 16  أبريل، على طرح أردوغان واصلاحاته المقترحة.كان ذلك الاستفتاء استفتاء على أردوغان وتركيا التي صاغها على شاكلته وهواه، بلد قومي بامتياز ومحافظ ومبتلى بالمشاكل.
أصبح هذا الركن من المنطقة، الذي كان يرفل في بعض من الاستقرار، بؤرة للهجمات الإرهابية، وتأثر النمو الاقتصادي السريع نتيجة ذلك.
وأودع العشرات من الصحفيين السجون، وتدفق على البلاد أكثر من ثلاثة ملايين من اللاجئين معظمهم من سوريا.
عقب المحاولة الإنقلابية الفاشلة، اعتقل وفصل من وظائفهم عشرات الآلاف من الأتراك. وفي ذات الوقت تتلاشى آمال تركيا في الإنضمام الى الإتحاد الأوروبي. وأصبحت تركيا أكثر انقساما من الناحية السياسية من ذي قبل.
ولكن في نفس الوقت، تحولت تركيا من وضعها السابق كبلد فاشل اقتصاديا عند بداية الألفية الثانية الى بلد يعد من أقوى الإقتصادات العشرين في العالم.
فقد توسعت الطبقة الوسطى الى حد هائل، واستفاد ملايين من الأتراك الفقراء اقتصاديا من زعامة أردوغان.
وتحولت حياة الأتراك اليومية الى الأفضل نتيجة المشاريع الكبرى التي نفذتها حكومة أردوغان، من مدارس الى مستشفيات الى طرق الى مشاريع بنية تحتية أخرى. أما الأتراك المتدينون، الذين طالما شعروا بالتهميش من جانب النخبة العلمانية، فقد زاد نفوذهم، كما تحررت تركيا من سطوة العسكر الذين كانوا في السابق يتصرفون بلا وازع ،وفي يونيو، صوتت تركيا لمستقبلها .

6 – المحصلة : 

قد يتشابه البقر على المتتبع العادي المدمن على الشعبوية حتى الثمالة ، لكن المتتبع الحصيف يحلل بهدوء ورصانة، بعيدا عن الحماسة ، قريبا من الخلخلة العلمية للواقع،  التي تؤكد أن أردوغان مجرد مستبد يضرب شيء بأشياء، لتنوير نفسه ونظامه . لكن جاءت قضية خاشقجي لتفضح طويته الميالة للبراغماتية والمتجارة بما هو مقدس اذا أذن المؤذن لصلاة المصلحة والسياسة .

* باحث في الفكر المعاصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *