المدير العام : نسيم السعيدي | مدير النشر : حسن الحماوي |نائب مدير النشر : عبد السلام بوستى| رئيس التحرير : محمد بودويرة | الهاتف : 0600683933
أخبار عاجلة
الرئيسية » الرأي » حصيلة السيرة الذاتية في العالم العربي

حصيلة السيرة الذاتية في العالم العربي

الحدث24: بقلم رضوان الطاهري (باحث في الأدب المقارن وصحافي)

(على هامش فوز شكري المبخوت بجائزة الملك فيصل العالمية 2018)

أعلن مؤخرا عن الفائز بجائزة الملك فيصل العالمية، فرع اللغة العربية والأدب العام الذي تمحور في دورة عام 2018 حول الدراسات التي تناولت السيرة الذاتية في الأدب العربي. وما أثار استغراب المتتبعين أن يكون الفائز هو الأستاذ شكري المبخوت الذي لا يعد من المختصين في مجال الدراسات السيرذاتية، وهو يعرف بحكم موقعه واهتمامه من هم المختصون بهذا المجال الذين راكموا – عبر السنوات- دراسات قيمة ومحترمة وخاصة في الجامعة التي يديرها، وسنذكر بعض أسمائهم لاحقا. لم يكتب شكري المبخوت إلا ثلاثة كتب ذات صبغة بيداغوجية، وتخلو –في عمومها-من العمق و والتراكم العلميين.

 نشر عام 1992 كتاب ” سيرة الغائب سيرة الأتي” ضمن سلسلة ” مفاتيح”. وما علينا إلا نلقي نظرة أولية عن الكلمة التي صدر بها الباحثان التونسيان (محمد المصمودي وحسين الواد) الكتاب حتى نتأكد من المقاصد التعليمية التي تحكمت في إصداره:” من هذا المنطلق، ومن الإيمان بأن لنا اليوم كفاءات أهلا لأن توقع بها الآمال، تطمح هذه السلسلة أكثر ما تطمح إلى : أن تضطلع التربية والثقافة بنحت سوي الكيان/ أن تتجاوز الرواية إلى الدراية حتى يكون حوار ثقافي تربوي فعال نعم …تطمح هذه السلسلة إلى تنمية الثقافة بالتربية والتربية بالثقافة.” ص5. ويتجلى الطابع التعليمي للكُتيِّب في محتوياته التي هي عبارة عن ” تمارين مدرسية” لتوعية الطلبة والتلاميذ بالمميزات الأولية والعامة للسيرة الذاتية من خلال تحليل جزئي لمؤلَّف ” الأيام” لطه حسين.

و”يتناص” الكتاب  مع دراستين قمتين حول السيرة الذاتية نفسها ( الأيام). أولاهما للباحث  محمد القاضي الذي ألقى -في ندوة بيت الحكمة بمناسبة مائوية طه حسين بتنوس عام 1989- محاضرة موسومة ب ” الظاهر والباطن في كتاب الأيام : بحث في التبئير”، وقدم الباحث عبدالله صولة مداخلة، معنونة ب” كتاب “الأيام” خطابا حجاجيا، في ندوة صناعة المعنى وتأويل النص بكلية الآداب منوبة عام 1991.

 سينقطع شكري المبخوت – بعد إصدار هذا الكتيب-عن النشر في المجال السيرذاتي إلى عامي 2016 و2017 إذ سيسابق الزمن ليكون- عن سبق الإصرار- مع موعد الجائزة التي نالها مؤخرا. ومن يتأمل  مسيرته العلمية سيعاين أنه كرس انشغالاته  لقضايا متنوعة تخص اللسانيات والحجاج والتداوليات والمعجم والدلائل. في حين لم يخصص للمجال السيرذاتي إلا حيزا ضئيلا. و كل المتتبعين لاحظوا إصراره على جمع مقالاته وطبعها في السنتين المتقاربتين بسرعة قياسية لسماعه صوتا هاتفا يناديه في السحر. فكان من ثمرات “المهاتفة” (بالمعنى الصوفي) الكتابين اللذين سأذكرهما.

شيد كتاب “أحفاد سارق النار.. في السيرة الذاتية الفكرية” (“مسكلياني”، نهاية 2016) على صرح الكتاب التأسسي والتأصيلي للأستاذ محمد الداهي الذي نشره بعنوان ” شعرية السيرة الذهنية” عام 2000 (ط1، فضاءات متقبلية/ ط2، منشورات رؤية القاهرة 2007)، وقدم فيه تصورا عميقا للسيرة الذاتية الفكرية مستخلصا نموذجها البنائي من متن شامل يضم نصوصا قديمة وجديدة، عربية وعالمية.. وبخصوص كتاب الأستاذ شكري المبخوت المعنون ب “الزعيم وظلاله.. السيرة الذاتية في تونس” (المنشورات الجامعية بمنوبة، 2017) ، نجده يعود إلى خطب  وتصريحات لحبيب بورقيبة  شفهيا  تتخللها أقوال شذر مذر عن نفسه، وهي لا تشكل سيرة ذاتية – كما يزعم المبخوت- لافتقارها لمقومات ” الميثاق السيرذاتي”، وإنما هي “مؤشرات تلفظية”  حرصا على الدقة الاصطلاحية. وإن ثبت كلام البمخوت علميا سنعتبر كل ما يتخلل خطب الرؤساء والوزراء والبرلمانيون من ” شطحات تلفظية أو شخصية” سيرا ذاتية؟ ويتضح من باب” تناصات” المبخوت التي يتقنها أيما إتقان أن العنوان يحيل إلى عنوان دراسة للأستاذ محمد الداهي عن ذات عبد الله العروي وظلالها.. ونشرت بداية مختصرة في أحد الملاحق الثقافية لجريدة الاتحاد الاشتراكي ثم أدرجها كاملة في كتابه الموسوم ب ” الحقيقة الملتبسة” (2007-صص120-146)

كان حريا بالمسؤولين على الجائزة أن يكون لهم جرد بالمختصين في الدراسات السيرذاتية بالعالم العربي وأن يشركوا صفوة منهم في التحكيم للاستفادة من خبراتهم، وتفادي أي شكل قد يسيء بسمعة الجائزة التي اتسمت ، في  مسيرتها، بالشفافية والنزاهة العلميتين، كما أنها تحمل اسم الملك فيصل الذي يحظى بالتقدير والاحترام على المستوى الدولي. وفي السياق نفسه، يلجأ المسؤولون على الجائزة بترشيح أسماء وازنة في مجال معين ، لكن لا نعرف هل أصابوا هذه المرة بترشيح اسم مثير للجدل في المجال السيرذاتي بحكم محدودية التراكم وانتفاء العمق العلمي. فهو –لحد الآن- لم يدرس إلا عينات محدودة وتثير في أغلبها- باستثناء سيرة عميد الأدب العربي طه حسن- نقاشات حول طبيعة نوعها وجنسها  (مثال   ما سماه شكري المبخوت بسيرة الزعيم الحبيب بورقيبة). وإذا كان المسؤولون قد اتصلوا به للترشيح ( وهو ما يتضح من إقدامه بسرعة فائقة على طبع مقالاته وتصديرها بالسيرة الذاتية تعسفا) ما الجدوى من تعميم الخبر لحفز الباحثين على الترشيح. في هذه الحالة سيكون دورهم هو تأثيث مشهد معد مسبقا لغيرهم وإضفاء الشرعية عليه.

وهنا أجد نفسي مضطرا إلى التذكير بالمختصين العرب في هذا المجال، وسأوزعهم- حسب طبيعة دراساتهم- إلى خمس فئات.  واحتكمت في هذا الجرد إلى منجزاتهم ومشروعاتهم العلمية متفاديا أي شكل من أشكال المحاباة والتزلف، ومحترسا من الصخب الإعلامي.

  • الفئة الأولى: تضم هذه الفئة الرعيل الأول الذي ساهم في توفير المادة عن السيرة الذاتية العربية (أو ما كان يصطلح بالترجمة الشخصية)  قديمها وحديثها. نذكر منهم شوقي ضيف، وعبد العزيز شرف، محمد يوسف نجم،إحسان عباس، أحمد عبد الدايم.
  • الفئة الثانية: استخدمت هذه الفئة أدوات علمية جديدة لرد الاعتبار إلى السيرة الذاتية العربية، والتدليل على جنسيتها ونوعيتها، ومد الجسور مع المنجز الغربي لاستخلاص ثوابت السيرة الذاتية العربية ومتغيراتها. نذكر من أعلام هذه الفئة عبد القادر الشاوي ( يجمع بين النقد والكتابة السيرذاتية)، وعمر حلي.

ج-الفئة الثالثة: تضم كوكبة من الباحثين الشباب الذي سعوا إلى تأصيل السيرة الذاتية في العالم العربي، وتبيان موقعها ضمن الأدب الشخصي(Littérature personnelle)، والبحث في تقاطعاتها مع متغيرات من صلبها . ويرجع الفضل إلى هذا الجيل من الباحثين في إدراج السيرة الذاتية في المناهج الجامعية والتعليمية، وتنظيم محترفات وندوات ومنتديات للفت انتباه الطلبة إلى الوضع الاعتباري لهذا الجنس، وحفزهم على إعداد أطاريح جامعية حول متغيراته عبر الزمن والنوع والفضاء. من بين الأسماء التي تستوعبها هذه الفئة أذكر : محمد الداهي، نجاة لمام الطناني ، جليلة الطريطر، سلوى السعداوي، ، محمود عبد الغني.

د- الفئة الرابعة : اعتنت هذه الفئة  بجمع  معطيات السيرة الذاتية التي تعنى بقطاع محدد يهم بلدا بعينه ( صالح الغامدي في المملكة العربية السعودية) أو نوعا اجتماعيا (لطيفة لبصير، أمل التميمي، تهاني شاكر)، ثم باشرت بتحليلها اعتمادا على مناهج حديثة لإبراز مقوماتها وأركانها ، والتدليل على خصوصياتها ضمن المسار العام الذي تشقه عربيا وكونيا.

ه-الفئة الخامسة: أنجزت أعمالا متفرقة حول السيرة الذاتية ترجمة وتأليفا. وتضم هذه الفئة مختصين في مجالات متعددة لكنهم، لبواعث مختلفة، اهتموا في محطات بعينها بالسيرة الذاتية، ونذكر من أعلام هذه الفئة محمد برادة، أحمد المديني، محمد القاضي، وعبدالله إبراهيم، وعبدالله صولة، وسعيد يقطين، زهور كرام، خليل الشيخ، حسن لشكر، أحمد على آل  مريع. وتُدرج- أيضا- أعمال الأستاذ شكري المبخوت ضمن هذه الفئة وإن كان دخيلا على الاختصاص (مختص في اللسانيات) على عكس بقية الأسماء المدرجة التي تنتسب إلى الأدب وتلم بعلومه وفروعه وشعبه، ولها كتب دالة على مسارها، ومن ضمنها عينات فازت بجوائز مستحقة.

ما وقع هذه السنة في فرع الأدب والأدب العام يدعو إلى التحري والبحث في سبب ” الخروج عن المنهاجية المعتمدة” حرصا على الشفافية والموضوعية. وفي السياق نفسه، كيف يمكن لباحث في العالم بأسره أن يحصل على جائزة في تخصص ما، ثم بعد سنوات معدودات يحصل على جائزة في تخصص آخر. وهذا المعطى لا يخفى على شكري المبخوت لكونه أستاذا جامعيا وباحثا  يشار إليه بالبنان. فإما أنه عبقري زمانه وما يفري فريه أحد أو أنه يتقن ضربة النرد وتصيد ضربات الجزاء في الوقت الميت من المقابلة. لقد هللنا عندما حصل شكري المبخوت على جائزة البوكر وقلنا إنها فاتحة خير عليه للانخراط في المشروع الروائي والإسهام في تجديد نسغه، فإذا به يفتح قوسا جديدا– قبل مراكمة تجربة محترمة في المشروع الروائي-  في مجال آخر يتطلب الدربة والمراس العلميين، وهو ما يضر بسمعته العلمية والثقافية أكثر مما يدعمها كما قد يتوهم.

 ومن تبعات هذه الظاهرة التي أصبحت تنتشر كالفطر في العالم العربي هو أن بعض الكتاب –عوض أن يصقلوا مواهبهم في تخصصهم- أضحوا يلهثون وراء الجوائز المغرية مما يجعلهم يكتبون الرواية، ويتطاولون على اختصاصات غيرهم في الرحلة والتشكيل والنقد والأدب الشعبي والسيرة الذاتية.

لا أبخس جهود شكري المبخوت التي كان من المكن لو تضافرت حول تخصص معين لنالت العجب العجاب.. ولكن ما أردت أن أثيره هو أن ينال ” الكرم الطائفي” في غير تخصصه ، وفي مجال لم يراكم فيه تجربة محترمة ومقنعة. كان من المناسب أن تدعم هذه الجائزة الجهود التي بذلها المختصون العرب لإرساء دعامات السيرة الذاتية في العالم العربي، ولفت الباحثين الشباب للاهتمام بمتغيراتها التي ما فتئت تتفرع وتتشعب .. لكن ما وقع سيصيبهم  بالإحباط   وسيؤثر – لا محالة- في  مسيرتهم وأدائهم ومعنوياتهم ..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *