المدير العام : نسيم السعيدي | مدير النشر : حسن الحماوي |نائب مدير النشر : عبد السلام بوستى| رئيس التحرير : محمد بودويرة | الهاتف : 0600683933
الرئيسية » الرأي » سعيد سونا يكتب: تقية حسن أوريد وفراسة الأمير هشام

سعيد سونا يكتب: تقية حسن أوريد وفراسة الأمير هشام

سعيد سونا *        

” الكلاب هرمت، والدجاج تستغل المخزن لأغراضها ، والذئاب رغم ذكائها لاتؤمن وتعبر نفسها الأحق بالأجمة ، الخراف رغم عددها لاتصلح لإدارة المخزن ولاهي ذات خبرة ، والكلاب والذئاب لاتقبل بها قيمة على المخزن ،أما الحمائم فحالمة رغم سعة اطلاعها، وأما الأرانب فلاهية …” مقطع من رواية “الأجمة” لحسن أوريد

” كنت أعرف أن المخزن حيوان ، وأنه سينتقم وسيقوم بطردي فور نهاية مراسيم توقيع البيعة …” من كتاب “الأمير المنبوذ” للأمير هشام العلوي .

يبدو أن هذه المقالة حبلى بالغمز واللمز، وأن مطلعها يشي بأن هناك مطلبة غريزية الطبع ، نزاواتية المحتوى ،فطرية المنبث، من اجل نيلها تزهق ارواح وتباد قبائل عن بكرة ابيها ، وهو الشيء الذي تطلب من الكاتبين أعلاه ، اللجوء لعالم الحيوانات، بعدما استنزف محاكاتها كل طبائع الإنسانية …

نعم يباح للكاتب ما لا يباح لغيره ، وخصوصا أن المعنيين بالأمر، لجأوا للكتابة بعدما خاصمهم الواقع ، بحيواناته الوديعة والقاتلة في أحيان كثيرة ، واختاروا النمو بين ثنايا الحروف واوكسجين الجمل ، في عالم حرمهم من الحميمية ومن غفوة نوم في ليل حالم ، فترعرعوا بفطنة حراس الغابة ، حيث لاوقت للارتخاء والا وجدت نفسك في بطن أحد الحيات… كانوا لايبتسمون إلا شبه ابتسامة أقرب لسكرات الموت منها لبرهة سعادة، قاماتهم كانت كثيرة الانحناء ، وهواتفهم عندما ترن يرتفع ما في بطنهم إلى مستوى اللسان ، وفي كثير من الأحيان يستبدلون ثيابهم في ابانه من فرط الرهبة ، وقلة الحيلة ، وسطوة المتصل… ولذلك تراهم يرفعون أصواتهم اليوم ، بعدما غادروا الغابة ، ولو إلى حين … حيث رافقهم فحيح الأفاعي الرقطاء، فلها الغلبة اليوم لتصفية الحساب مع الماضي ، يكتبون بفلسفة البقال، حينما يخرج للعلن فواتير قديمة لزبناء غير بررة، يعودون كثيرا للماضي لتفريغ شحنة كبتهم، لأن الزاد كله جراح .

التجأ حسن اوريد للقيل والقال والقلقلة ، والتجانا معه لطرح الشبيه في تجربة المرور في الغابة من جهة ، والضد في طريقة تجنب الحيوانات من جهة اخرى ، والواقع أن رفيق الملك في المدرسة المولوية، لبسته أطروحة “المخزن ” من رأسه إلى أخمص قدميه، فرغم سلامة لسانه “وتصنع “صوته ، لم يقوى على الابتعاد عن التطبيل لخيارات الدولة التقليدية ، وأما الثاني فابيض السحنة، سليم الطوية، واضح الملامح ، لايملك فرامل للسانه، لذلك لم يكن متعبا ومرهقا لسهولة قرائته من جميع الزوايا .

لكل مساره رغم مرور كلاهمامن القصر ، لكن الأمير هشام ينظر لحسن اوريد كواحد في جماعة ، وأما أوريد فينظر للأمير هشام كفرد معزول بدون كماشة ، فأما الأول ففضحته نميمته في صالونات البوح عن موقفه من الأمير هشام ، رغم أنه كان متهم به في بداية مشواره المهني الأمر الذي سبب له العزل من السفارة الأمريكية عن طريق وشاية من محيط الغابة ، لأن طموحات أوريد المخزنية لاتجعله يمتلك الشجاعة ولو في مرافقة ظل الأمير هشام ، ولذلك اعتبر كتاب هذا الاخير ” le prince banni” المكتوب بالفرنسية أو “الأمير المنبوذ” فرية كبيرة من خلال تجني الأمير هشام على أسرار الدولة ، وتغليب ذاتيته للثار من غريمه الملك محمد السادس ، حسن أوريد اعتبر كذلك ماقام به “الأمير الأحمر ” شيئا مشينا لأنه يعتبر الأمر عائليا يناقش في مجالس الحكم لا في ثنايا الورق الفاضحة ، ورغم كل هذا أطلق الأول رصاصة الرحمة على عصارة تجربة الثاني ، بعدما رماه بالهزال وكثرة العلل من خلال كثرة المغالطات وذكر وقائع غير صحيحة ذات طابع تاريخاني، وغياب الدقة في الجزء الثالث من الكتاب والذي يتحدث عن الفترة الأخيرة من حكم محمد الخامس ، وبداية حكم الحسن الثاني ، والواقع أن أطروحة أوريد غير غريبة فهو يريد طمأنة القصر عن سلامة مكابحه المخزنية، من خلال التجريح في الأمير الذي تعبر كلمة مدح في حقه تهمة تذهب بصاحبها لسواحل النسيان .

الأمير هشام ليس له رأي محدد في شخص أوريد ، فهذا الأخير في رأيه كجميع أصدقاء الملك الاكاديميين ، مثقفين مقنعين في خدمة السلطوية ، وامتدادا لحكم الدولة التقليدية كما جاء في الكتاب المذكور ، والذي آثار ضجة لازالت تردداتها لم تخمد بعد ، خصوصا بعدما أصبح مرجعا حقيقيا من طرف الباحثين لاستراق لحظة استماع واضحة من بيوت القصر العميقة عبر مكبر الصوت الذي استعمله الأمير ، والذي جعل همسات القصر ماثلة في سوق العامة .

والمنصت للعنعة التي دللت الصعاب ، ونحن في طريق قراءة الإرهاصات الأولى لتمرد الأمير، عن أشياء تعتبر في تقاليد القصر بالمقدسة، يدرك أن طباع المنبوذ كانت واضحة منذ الصغر ، حيث يتذكر الجميع مرافقته للحسن الثاني في زيارة للسعودية للإستماع لوجهة نظر الملك فهد ابن عبد العزيز، حول الأزمة بين المغرب والجزائر، وإذا بالجميع يسمع صراخ قوي بالخارج للأمير هشام، يطلب الدخول على العاهلين لإعطاء رأيه في الموضوع المطروح للنقاش ، فطرده الحسن الثاني نحوى المغرب، وطالبهم بحلق شعره بعدما طالته غضبة عميقة من عمه الذي اعتبر ماجرى سابقة لم تحدث من طرف أي أمير ، وتطاول على كل بروتوكولات القصور المعروفة، ورغم ذلك يحكي الكتاب أن الأمير هشام توزع رأيه في الحسن الثاني بين الحقد والاعتراف بالجميل ، فرغم مرور السنوات لم ينسى الأمير الإهانات التي كانت يتلقاها والده الأمير عبد الله من أخيه كلما توجه إليه بالنصح، وأما الجانب المشرق فقول الأمير هشام حرفيا في كتابه ” نعم مولاي عبد الله هو والدي الذي رباني لكن الحسن الثاني علمني كل شيء ، واستامنني على أسرار الدولة والحكم ، ولهذا لن اخون عهده لافشي أسرار الدولة الكبرى في هذا الكتاب فالامور لم تنضج بعد …” .

أما في علاقته مع ابن عمه الجالس على العرش فقال ” ترعرعنا معا كاخوة فكان شخصا طيبا عطوفا، ولما أعتلى العرش طالبته بالتخلي عن المخزن وبناء دولة ديموقراطية حديثة …” هنا تحاول ابن العم لأول معارض لخيارات بناء الدولة المغربية من داخل القصر ، لذلك كان الأمر جللا، خصوصا أن الأمير المنبوذ عبر عن رغبته في مغادرة القصر ، والنمو خارجه كمثقف ورجل أعمال ، ” لذلك رفض العمل بنصيخة الحسن الثاني، الذي طالبه بالدراسة الحربية لكن ثنائية الرفض والعصيان حضرت مرة أخرى ، وفضل دراسة الأعمال ، رغم أنه أكمل دراسته الأكاديمية في بريطانيا حيث يعتبر الآن من أبرز الباحثين في جامعة هارفارد ” ، وبعد هذا المسار الطويل من المشاكسة والازعاج، حلت لحظة وفاة الحسن الثاني الذي كان يحميه رغم كل شيء ، وكان في المقابل يلقى الثناء من ابن الأخ العاق للقصر ، فكان يعتبره بالملك الفريد من نوعه ، والشخصية القوية ، والعبقرية الفريدة، الذي لن تتكرر .

حل حفل توقيع البيعة للسلطان محمد السادس، فظهرت فراسة الأمير هشام ، الذي حضر بلباس عصري خلافا لكل من حضروا بلباس المخزن المعروف ، مبررا ذلك في كتابه قائلا ” كنت أعرف أن المخزن حيوان وأنه سينتقم ، وسيقوم بطردي بعدما تكتمل مراسيم توقيع البيعة …” بالفعل طرد الأمير من القصر ، وتحول لمعارض شرس للنظام ، عبر انتقاده من خلال طول العالم وعرضه وكانت خلاصة أطروحته : أن الملكية في المغرب ملكية بدستور وليس ملكية دستورية ، وأن الدولة المغربية دولتين :
– دولة تقليدية تتمثل في المخزن ككائن من اللوبيات سطروا أدبيات جامدة للحكم ، من خلال بنية تقليدية تمنعه من التطور …

– ودولة حديثة تتمثل في المؤسسات والبنية التحتية …لينهي أطروحته مطالبا بقتل المخزن والدولة التقليدية ، والإبقاء على الدولة الحديثة كمدخل للملكية الدستورية .

يختتم الامير هشام نصائحه للملك بانه قام بواجبه العائلي والوطني وفتح صدره للملك بالنصح ، مؤكدا على أن أسرار الدولة ستبقى في صدره حتى لايفقد مساره أي معنى ، عكس “ما تقول” عليه حسن أوريد بأنه تطرق لأسرار الدولة في كتابه المذكور.

أما حسن أوريد الذي صاحب الملك في المدرسة المولوية زميلا له في الدراسة ، فكان المسار مختلفا ، رغم المغالطة التي روجها الكثير بكونه تحول معارضا للملك ونظام الحكم ، لكن كتبه ولسانه يكذبان هذا ، فإبن قرية تازموريت قرب الراشدية ، يعتبر مثقفا ألمعيا، ويزداد ألمعية من خلال مساره المخضرم والحافل، حيث انتقل بعد حصوله على الدكتوراه ، بعد الاجتماع التاريخي الذي عقده الحسن الثاني مع رفقاء ابنه في المدرسة المولوية متوجها إليهم بالقول ” نتوما كتعرفوا بلا خدمت عليكم، جا الوقت باش تخدمو علي ” فتوجه أوريد للاشتعال في ديوان وزير الخارجية آنذاك عبد اللطيف الفيلالي ، وبعدها توجه للسفارة المغربية بنيويورك مستشارا سياسيا للسفير محمد لمرابط، وبعد وقت قصير تحركت الدسائس من حوله وهو الذي خبر حراسة الغابة ، فهمسوا في أذن السفير بأن المستشار الشاب له حظ قليل في الوطنية ، وأنه على علاقة وطيدة بالأمير هشام ، وهو الأمر الذي عجل بالاجهاز على مساره الدبلوماسي ، ورغم المحاولات الماراطونية التي قام بها عند عودته للمغرب ، من خلال طرق جميع الأبواب مهما كان سمكها للدفاع عن سلامة بكارته المخزنية، لكن الأمر توج بالفشل ، فتوجه على مضض للكتابة الفكرية والصحفية ، حيث اشتغل بجريدتي ” لوجورنال والصحيفة ” كما الف كتبا عديدة في مقدمتها “سيرة حمار” والتي تعتبر قمة في الإبداع من خلال شجاعته الأدبية في محاكاة نفسه بحمار جعله يتكلم بلسانه طيلة الرواية ، وكانت رواية الأجمة ذروة فترة إبداعه ، حيث قام بنقل بنية السلطة على لسان الحيوانات في كتاب “كليلة ودمنة ” للمقفع، إلى روايته التي تفكك بنية السلطة والمجتمع فتجده يقول في إحدى المقاطع ” الكلاب هرمت ، والدجاج تستغل المخزن لأغراضها ، والذئاب رغم ذكائها لاتؤمن وتعبر نفسها الأحق بالأجمة ، الخراف رغم عددها لاتصلح لإدارة المخزن ولاهي ذات خبرة ، والكلاب والذئاب لاتقبل بها قيمة على المخزن ،أما الحمائم فحالمة رغم سعة اطلاعها، أما الأرانب فلاهية …” حيث جلب له هذا المقطع الوحيد الذي كان منسوب جرءته كبيرا طيلة مساره الفكري والإبداعي متاعب كبيرة ، حيث بقي منضبطا في محاضراته وكل كتبه لفلسفة المخزن ، وهو الأمر الذي سماه محمد عابد الجابري في كتابه ” نقد العقل الأخلاقي العربي ” ” بالوعي الشقي ” أي ذلك الحصار الذي يتلبس بالمثقف عندما يكون خديما للسلطة، حيث لايذهب بعيدا في كتاباته وتحركاته، وتلك هي حالة أوريد حيث أتخذ التقية معطفا يقيه من قساوة الضريبة التي يدفعها ابن المخزن إن هو حاول الانقلاب على تراثه السلطاني.

فجل خلاصات أوريد السياسية والفكرية، تتماهى مع اختيارات الدولة ، فبقى وفيا للعرش ، حيث يدعو للالتفاف حول الملك لكون الظروف التي تمر منها الدولة صعبة ، مطالبا بدعم تجربة حزب الأصالة والمعاصرة ، التي ينظر إليها بعين الرضى ، فيما انتهى مشواره حول ظاهرة الإسلام السياسي علمانيا قاسيا على حزب العدالة والتنمية ، مطالبا بفصل الدين عن السلطة كخيار سليم للحكم ، فالمتتبع لهاته الخلاصات وكتب أوريد عندما يخوض في شؤون كونية ، يدرك تقية الرجل الطافحة فهو الجريح الذي يخشى على نفسه من سكان الغابة .

الآراء المحافظة لحسن أوريد ارجعته إلى جانب الملك ، ناطقا رسميا للقصر في بداية حكم محمد السادس ، مسار الرجل في موقعه الجديد مر بالعديد من الحرائق ، حيث نسب إليه تسريب معلومة بيع سفارة المغرب في أمريكا بثمن بخس من طرف السفير محمد بنعيسى وشراء سفارة أخرى بثمن باذخ، وما زكى ذلك كون جريدة لوجورنال التي نشرت الخبر ، لها علاقة حميمية مع الناطق الرسمي للقصر ، لكونه اشتغل في طاقمها من قبل ، كلها قلاقل كان على علم بها فهو الآن حارس أساسي في الباب الرسمي للغابة، مشوار الرجل في ميكرفون القصر ومتاعبه لم يدم طويلا، فعين واليا على جهة مكناس في تجربة فريدة من نوعها على مثقف في جبة السلطة ، فنال كذلك مانال من متاعب ، حيث تصدى له رشيد نيني بحزمة من المقالات المتتالية التي تنال من سلامة ذمته المالية ، بحجج دامغة ، جعلت أوريد يدرك أن رشيد نيني رسول” غبي” من حراس الغابة ، فكتب مقالا مطولا في جريدة الصباح يدافع من خلاله على شرفه و عائلته، لكنه في الوقت ذاته تنبأ لرشيد نيني بمصير مؤلم قائلا ” اليوم انت رسول لقوم أعرفهم وغدا ستكون ضحية لهم …” وماهي إلا أشهر حتى دخل الصحفي المذكور إلى السجن ، وغادر أوريد ولاية مكناس ورقبته سليمة من المساءلة بعد مطاردة قوية من أصدقاء الأمس ، الذي لازال يثني عليهم لحد الآن وفي مقدمتهم فؤاد عالي الهمة ، وصديقه الحميم في المدرسة المولوية ياسين المنصوري وآخرون ، ودائما ملتصقا بتقيته التي اتقنها للحد الذي جعلته مؤرخا للمملكة لكنه هاته المرة لم يصمد أمام كثرة الفخاخ ،فطلب الإعفاء من منصبه فكان له ذلك ، وعاد للتدريس أستاذا جامعيا للعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس ، مواصلا مساره الإبداعي الموسوعي، من خلال كتاب “أفول الغرب ” ورواية “سنترا”التي تروي حكاية الأندلس ، وبموزاة لذلك واصل بروزه الإعلامي ، حيث يعتبر سلعة مطلوبة ، للبرامج المثيرة ، لمسار الرجل المغري …

يقال في تراثنا الديني ” اذا رأيت العالم يتردد على بيت السلطان فاتهموه في دينه ” وبالقياس على ذلك إذا كان يجوز !
هل بإمكاننا اعتبار المثقف الذي يتردد على باب السلطان بالمشكوك في نزاهته ؟ ربما… ولكن الأكيد أن مصداقية الأمير هشام يفتقدها حسن أوريد ، فالأمير رفض جاذبية القصر والامارة، واتجه للبحث العلمي ، أما حسن أوريد فيمارس البحث العلمي ممنيا النفس بالعودة لدار المخزن فمن جرب جاذبيته لايقوى على الإبتعاد عن حراسة الغابة رغم مخاطرها …

*باحث في الفكر المعاصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *